Saturday 16th March,200210761العددالسبت 2 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

«وكم مُقلةٍ من غزرة الدَّمع في دَجْن»«وكم مُقلةٍ من غزرة الدَّمع في دَجْن»
عبدالقادر بن عبدالحي كمال

كثر الحديث في هذه الأيام عن كارثة مدرسة البنات في مكة المكرمة، التي نجم عنها وفيّات وإصابات، وكثر اللغط حولها، وأصبحت المسؤولية ككرةٍ يتقاذفها اللاعبون، تحرص كل جهة أن تتنصل منها، ويحرص كل مسؤول على ركلها بعيدا عنه، المهم ألاّ تطاله، ولا يهمّه إن طالت غيره، ونسينا في غمرة ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلّم: «كلّكم راعٍ، وكلّ راعٍ مسؤول عن رعيّته .. الحديث» وقوله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ردا على سؤال لرجل سأل: «كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت» وهذا حديث إسناده صحيح ورجاله ثقات.
ولا يغرب عن الذّهن أن ما حدث لطالبات المدرسة في مكة المكرمة لم يكن بفعل الحريق في المبنى، بقدر ما كان من خوفٍ وذعرٍ وفزعٍ تمخّض عنه تدافع وتزاحم، فسقط من سقط وديس من سقط دوساً شديداً، وكانت النتيجة موتاً وإصابات.


شبّت به النيران فارتاعت لها
مُهجُ الأنام وهالها استعظام

ويعلم الجميع أن الخوف والذّعر والفزع يعطّل الإرادة، ويشلّ العقل، ويشوّه التصرّف، فيصبح السلوك الفردي غير المنضبط هو المسيطر رغم ما فيه من خطر وضرر.ولا نلوم بناتنا على خوفهنّ وذُعْرهنّ، فهنّ لم يتدرّبن على مواجهة هذه الحالات، وهنّ مثل غيرهنّ لا يعرفن كيف يتصرّفن في مواجهة الحوادث والكوارث.
لقد سبق أن واجهنا على مستوى الوطن حالات الحريق في مبان متعدّدة ، على سبيل المثال قصر الأفراح في جازان، وقصر الأفراح في المنطقة الشرقية، ومنزل صالح الحليس بمدينة الطائف، وغير ذلك من الحوادث المؤلمة.
ومع ذلك لم تُعلّمنا هذه الحوادث ما ينبغي أن نعمله، وما يجب أن نحرص عليه، وكيف نحفظ ونحافظ على أنفسنا وأهلنا وإخواننا وأخواتنا من خطر هذه الحوادث، وضرر هذه الكوارث.
بل إن بعض التصرّفات اللاواعية من بعض المسؤولين قد تزيد الطين بلّة، أرأيتم ذلك الحارس في قصر الأفراح الذي أسرع مجتهدا إلى فصل النور عن المبنى، فزاد ذلك من عدد الضحايا والإصابات لأنهنّ جُسْنَ في ظلام دامس، وتُهْن عن الطريق، وداسهنّ الرفيق، ومسّهنّ الحريق.
أرأيتم كيف نَجِدُّ ونجتهد ويكون اجتهادنا مع الأسف وبالا؟.. لأننا بصريح العبارة لم نتدرّب تدرّبا كافيا على مواجهة الحوادث والكوارث. والقول بأن الإخلاء الذي تم في موقع الحادث بمكة المكرمة وفق المعايير العالمية، قول غير صحيح، أخطأ من قاله، وجانب الصواب من صرّح به، فلو تمّ الإخلاء وفق تلك الأسس والمعايير لما كان عدد الوفيات أربع عشرة ضحية، منهنّ من لم يتعرّف عليهنّ ذووهنّ من كثرة الدوس وشدّته.
إن ما ينبغي أن نحرص عليه أن نعمد منذ الآن وفوراً إلى تبنّي خطط مدروسة نافعة ناجعة للحالات الفرضية على مستوى الوطن كلّه، يعدّها خبراء ذوو معرفة ودراية ودُرْبة. خطط متعدّدة متنوّعة، فما يصلح لمبنى ، قد لا يصلح لآخر، لاختلاف الأدوار والمخارج، وسعة المبنى وضيقه، سواء في ممراته أو في سلالمه، أو خارجه، ثم نبدأ التدريب المتكرر تحت إشراف خبراء، ويصوّر التدريب على فيديو ثم يعرض التصوير، وتُسجل السلبيات السلوكية الخاطئة أثناء الإخلاء، ويُفهَّم المتدربون بهذه الأخطاء، ثم تُجرى تجربة فرضية ثانية وثالثة ورابعة وهكذا دواليك حتى يتقن الجميع خطط الإخلاء كاملة.
وبعد التأكد من النتائج الإيجابية، نجعل التدريب منهاجاً لنا في كل سنة نكرّره، مثلما يُفعل حاليا في التدريب على الحريق الوهمي في الطائرات.
ولا بد أن يشترك في التدريب القوّات والمسؤولون الذين يباشرون الحادث من رجال الدفاع المدني المسؤولين عن الإطفاء والإخلاء والإنقاذ، ورجال المرور المسؤولين عن سهولة الحركة المرورية من والى مكان الحادث، ورجال الهلال الأحمر المسؤولين عن نقل المصابين لا سمح الله، ورجال الدوريات الأمنية المسؤولين عن الحالة الأمنية، وأولياء أمور الطلبة أو الطالبات وان كان موقع الحادث مدرسة. لأنهم سوف يهرعون الى مكان الحادث للاطمئنان على فلذات الأكباد، كل هؤلاء معنيون بالتدريب مرات ومرات، ليتقنوا العمل، ويحكموا التصرف، ويلجموا الفزع، ويواجهوا الذعر بثقة المتدرب، ويقين المتبصر. ما لم نفعل ذلك ونكرره لعدة مرات فسنكون كالذي يتخبط في عماية وظلمة دامسة.


رُبَّ طفل قد ساخ في الأرض
يُنادي أمي.. أبي. أدركاني
وفتاة هيفاء تُشوى على الجم
ر تُعاني من حسرة ما تُعاني
وأب ذاهلٍ الى النار يمشي
مستميتاً تمتدُّ منه اليدان
باحثاً عن بناته وبنيه
مسرع الخطو مستطير الجنان

إنني أدعو كل ادارة ومدرسة ومؤسسة وجامعة وشركة الى تبني التدريب المتكرر على مواجهة الحوادث والكوارث لنتعرف ونتعلم عن طريقه كيف نُلجم سلوكياتنا غير المنضبطة، ونتحكم في تصرفاتنا بالرؤية المطلوبة، لا يدفعنا خوف، ولا يطيش صوابنا من هلع أو فزع. وذلك لا يتأتى إلا بزرع الثقة في أنفسنا جميعاً على مواجهة الحوادث والكوارث.
وإشارة أخيرة على صحة ما ذهبت اليه، فلدينا كليات ومعاهد عسكرية، يتمتع الطلبة فيها بانضباط معروف ومشهود، ولكن لم أسمع ان كلية من هذه الكليات أجرت تدريبا على حالات فرضية مثل هذه، وأخشى ما أخشاه ان يضيع انضباط الطلبة لا سمح الله نتيجة الخوف أو الذعر إن حصل لا قدرالله حادث مشابه. وأنا لا أصم أحداً بالقصور، ولكن أعزو ذلك الى كثرة المسؤوليات.
ويجب أن نعرف جميعاً إن الله سائل كلاً منّا عما استرعى. فأعدوا للسؤال عُدَّته. وليس عيباً أننا لم نفعل، ولكن العيب كل العيب ألا نفعل.
عضو مجلس الشورى

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved