منذ الاثنين الماضي دبَّت حركة شاملة في الرئاسة العامة لتعليم البنات على إثر حادثة الواحدة والثلاثين الابتدائية في مكة المكرمة التي ذهب ضحيتها فلذات فُجعت بهن البلاد وكافة العباد..، ولا أدلَّ على ذلك من هذه «المتابعات» الصحفية التي غطت الأسفار وطوت المسافات وأكثرت الأخبار!..
وهي صحوة فائقة شملت كافَّة المناطق التعليمية، وشُكلت لها اللجان، وخرج المخبوء، وتلفظت الصدور بمكنونها، وانطلقت ألسنة المديرات، والمعلمات، والموجهات، ووليات أمورالبنات كلُّ يدلي بدلوه، و.. جاءت في الصحف أسماء المدارس، وعددها، وهيئاتها، ومواصفاتها، وركزت على الحرج منها في انتظار السقوط، والمتوقع له الانهيار أو الدمار،.. حتى أنَّني بدأت أستعيد في مخيلتي «شكل» المدارس التي أزورها في الأسبوع مرة أو بضع مرات وأتخيل أنَّني سوف أكون واحدة من الضحيات..
ولئن كان هذا الوقت هو وقت «مع الخيل يا شقرا».. والحديث عن المثالب والعيوب هو عادة يأتي عند سقوط البقرة فتكثر السكاكين التي تقطع لحمها..، فإنَّ الحديث حقيقة في أمر مثالب وعيوب ونقص ما هو حاصل يتطلب الفصل بين الزيادة والنقصان، وبين الخطأ والصواب وما يزيد أو ينقص عنهما، وبين الاندفاع بلا أدلة، أو بالأدلة.. والوقوف عند القضية الأساس وهي: إذا كان حقيقة قد حدث أن كاتبت مسؤولات المدارس في المناطق التعليمية العديدة وفي المدن والأحياء المنتشرة وفي المحافظات المختلفة بتفاصيل وضع المدارس فالسؤال: أين ذهبت هذه المكاتبات؟ ولماذا لم يتم الاهتمام بها فور وصولها على اعتبار أنَّها تخرج عن نطاق الاعتيادي من الطلبات؟ إذ في اهمالها ما يشكل خطورة تصل إلى الأرواح؟.. ثم.. أوليس جهاز الرئاسة العامة لتعليم البنات هو من أكبر إن لم يكن الأكبر في الأجهزة الرسمية من حيث العناصر البشرية العاملة فيه، والمتعلمة في مدارسه، مع اختلاف وظائف العاملة، واختلاف مستويات المتعلمة؟..
ومثل هذا الجهاز على حجم سعته، وثقل مسؤولياته، وكثرة عناصره معرض لا ريب للزلل وللخطأ وللقصور بمثل ما هو الإنسان الذي يمثله وهو معرض لكلِّ ذلك..
غير أنَّ تلافي قصور الإنسان في مؤسسة بحجم الرئاسة قد سبق إلى وضع حلول له في كافَّة المؤسسات النظيرة على مستوى العالم وفي المؤسسات التعليمية.. مع كافَّة ما يمثل هذا الجهاز من خصوصية تتبع نظام التعليم في بلادنا، وعادات المجتمع، وتقاليده المنبثقة من قيم هذا المجتمع الدينية، إلا أنَّه لا يؤهِّله لأن يفرغ من نظام مُحكم وقوي وله أطره المنظمة والضَّابطة، ولأنَّ الخلل يبدأ في التركيبة الداخلية لجهاز العمل فإنَّ خطة جديدة لابد أن توضع تعنى أول ما تعنى بالعنصر البشري الذي يقوم بالعمل من الرجال والنساء، وثانيها بالنظام الآلي الذي لابد أن يُحدَّث ويُرقَّى ويُطور كي يكون قادراً على احتواء كافَّة مناطق المملكة بمحافظاتها مدنها وقراها وهجرها، ولا يستوعب هذا العدد من الكم بذلك النظام من الكيف إلاَّ نظام مُحكم مدروس مهيَّأة له الوسائل الحديثة التي تعتمد السرعة والحضور مع بداهة الأوليات..
ثم تبقى نقطة مهمة وهي «القرار» ومرونة اتخاذه واصداره وتلقِّيه والتعامل معه.. إنَّ المركزية المهيمنة على «القرار» في هذه المؤسسة هي القاضية القاتلة وعلى وجه الخصوص عندما لا تُسند إلى من هو قادر على التعامل معها وفق الموقف من النساء والرجال على حدٍّ سواء...
ويظلُّ بكلِّ صدق هناك عمل دؤوب وجهود صادقة لكنَّها تضيع وتذوب في أمرين: الأول: تشتت المسؤولية، ومحدودية سلطة القرار من جهة والثاني: تقادم نظام العمل وعدم تحديثه، وبالتالي تحوله إلى روتين ممل، أول ما يذهب ضحيته إمَّا المعلمات وإمَّا الطالبات، وإمَّا المسؤولات من الموجهات وإمَّا أولياء الأمور..
لَكم من معاملات فُقدت، وكم من حقوق ضاعت، وكم من مشكلات لم تحل، وكم من اتصالات تضيع دون معرفة من المسؤول..؟ وبعد أن تحولت القضايا ليس عند مستوى راتب يُفقد، أو موظفة تنال ترقية وهي لا تستحق، أو مديرة تفقد حقوقها، أو موجهة تتسلط على موظفاتها، أو أمر يُغض له النظر من أجل معرفة، بل تخطى إلى أرواح تزهق على الأرصفة وتحت الأنقاض.. فإنَّ الأمر يحتاج إلى صحوة منفِّذة.. لا تصمت حركتها دون قرارات حازمة ومغيِّرة في مؤسسة ليست للتربية والتعليم فقط بل للبناء والحفاظ على العناصر البشرية أجساداً سليمة بمثل ما يكون للعقول فيها.
|