المحاكمات التاريخية المشهورة في نوتمبرق بعد الحرب العالمية الثانية لمجرمي النازية لم تردع المجرمين عن ارتكابهم للمجازر والمذابح في كثير من أقطار العالم وبالذات المعسكر الشرقي.
كما أن حقوق الإنسان وقوانينها غيبت عن كثير ممن ارتكبوا جرائم بحق شعوبهم أو بحق شعوب أمم أخرى،. ولا تزال هذه القوانين تغيب وبشكل متعمد ومخطط له تجاه العديد من القادة وصناع القرار، رغم أن جرائمهم شاهرة ظاهرة وترى بشكل يومي، وفي نفس الوقت نرى التحامل والتأليب على قادة آخرين ومحاولة حشد الحشود وجمع التأييد والتآلف والركض والتنقل بين الدول من أجل الإقناع بخطورة بعض الحكام والأنظمة.
من هنا يظهر الجمع بين التناقضات والأضداد في قضايا متشابهة تستحق النظر إليها بمنظور واحد وبمعايير موحدة دون تحيز.
صناعة الإعلام في الغرب سخرت ولا تزال تسخر من أجل تكبير صور ممارسات عنيفة قد لا تستحق ذلك التكبير، ولكن لتحقيق مصالح سياسية بعيدة كل البعد عن النواحي الإنسانية، تشحن النفوس وتوغر الصدور سواء على مستوى الشعوب أو مستوى القادة وبالذات في المعسكر الغربي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية. وتسخر وسائل الإعلام وما زالت مسخرة في محاولة حجب صور كبيرة بطبيعتها ولا تحتاج إلى تكبير ولكن لأنها كبيرة ولا يود الجانب الغربي أو تظهر كبيرة لأن ذلك الإعلام الموجه ينحو إلى جعل الصورة مهزوزة غير واضحة التفاصيل، بل قد تضفي عليها رتوش تحرفها وتشوهها فلا تتضح لمشاهديها، وبالتالي يصعب الحكم من خلالها.
والأدهى والأمر أن الصورة قد تقلب فيصبح الضحية من خلال الصور الإعلامية هو الجلاد والجلاد هو الضحية. وقد تنقل الصورة واضحة ولكن تفسر بمعان وبمفاهيم مغلوطة ومعكوسة تماما من خلال الساسة وصناع القرار في المجتمع الأوروبي بشكل عام والمجتمع الأمريكي بشكل خاص.
وليس أدل على ذلك مما يدور وبشكل يومي في فلسطين المحتلة التي تشير كل الصور إلى الانتهاكات الصهيونية من خلال الممارسات القمعية والوحشية والهمجية بل النازية التي هو أسوأ مثل يضرب به في العنف والقمع ضد البشرية. ومع ذلك فإن الساسة الأمريكيين وصناع القرار وقياصرة الإعلام هناك قلبوا المفهوم وحللوه وجعلوه في إطار يمكن تفهمه وقبوله وهو إطار الدفاع عن النفس.
إن محاكمة سلفدان ملوزفتش رئيس وزراء صربيا السابق في محكمة العدل الدولية بلاهاي بهولندا، لم تكن خالصة من أجل العدالة وحقوق الإنسان وإنصاف المظلومين وأسر الضحايا في البوسنة والهرسك أو الأقلية الألبانية. أي أن ذلك لم يكن السبب الأول أو الأساسي، بل إن هذه المحاكمة جاءت في الدرجة الأولى انتقاما وردا على محاولة ملوزفتش التمسك بيوغسلافيا موحدة قوية برغم ما فيها من عرقيات وقوميات يمثل الصرب الغالبية فيها.
وهذا أمر اتخذ الغرب قرارا برفضه وعدم قبوله البتة مهما كلف ذلك من ثمن. والحقيقة أن المنطق يؤيد سلفدان ملوزفتش في الإبقاء على يوغسلافيا موحدة ودولة ذات سيادة في حالة توفر فرص متكافئة في العيش لكل القوميات والأقليات دون مضايقات وممارسة للحريات والعقائد الدينية.
كما أن يوغسلافيا كانت عضوا في الأمم المتحدة ومعترف بها على أساس احتوائها لكل تلك القوميات والأقليات فالمنطق يجعله يتمسك بوحدة يوغسلافيا.
بقيت يوغسلافيا أربعين سنة تحت حكم الدكتاتور تيتو وكانت دولة قوية ضمن منظومة خلف وارسو وضمن المحور الشرقي الذي يتزعمه ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.
إن كل ما كان يهم الغرب هو تفتيت كل دولة من دول المعسكر الشرقي العدو التقليدي في الحرب الباردة للمعسكر الغربي حيث تفتت الاتحاد السوفيتي تلته تشيكوسلوفاكيا ثم تلته يوغسلافيا وفي نفس الوقت سعوا وبكل قوة إلى توحيد ألمانيا الغربية وهدم جدار برلين.
أوروبا ترغب في وجود دول بل دويلات لا حول لها ولا طول لكي تتم الهيمنة سياسيا وثقافيا عليها بكل سهولة ويسر. إن ما فعله سلوفدان ملوزفتش ضد البوسنة والبلقان والكروات من قتل وتشريد وتدمير جيشه لدرة مدن أوروبا البوسنة وجسورها يستحق عليه المحاكمة لا جدال في ذلك.
ولكن بدون شك إن الغرب ساهم في تلك المجازر وغض الطرف عنها كثيرا في سبيل الوصول إلى الهدف النهائي وهو تفتيت يوغسلافيا وهو ما حصل بالفعل. لقد كان ذلك الثمن باهظا تمثل في مئات الآلاف من القتلى والجرحى ومدن شوهت ودمرت، هكذا كان منطق الغرب حيث الغاية تبرر الوسيلة مبدأ ميكافلي، تدخلوا بعد أن سفكت الدماء واستبيحت حرمات النساء ودمرت مراكز العبادات. أوجدت دول صغيرة وهي في الأساس كيانات ربما كانت مستقلة قبل تيتو ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا عمل الغرب لهذه الدول الصغيرة بعد أن وجدت ككيانات صغيرة؟ الغرب يعتقد أنه حمى هذه الدويلات من مجازر ربما تكون أكثر فظاعة مما حصل، وقد يكون هذا الكلام صحيحاً ولكن ماذا تم منذ أن أصبحت البوسنة والهرسك دولة مستقلة يعيش فيها كروات وصرب وبوسنيون. لم يفعلوا شيئا، البوسنة ما زالت مناظر الخراب والدمار ماثلة للعيان. آلاف الجنود الغربيين يسرحون ويمرحون في أراضي البوسنة والهرسك. لم يبنوا جيشا لهذه الدولة ولم يبنوا مراكز تعليمية أو حضارية لهذه الدولة. لم يوجدوا منافذ للعمل والتدريب لهذه الدولة، وفوق هذا وذاك فهي ما زالت على كف عفريت من خلال تنوع العرقيات بها، إن دولة البوسنة والهرسك تمثل نموذجا ليوغسلافيا السابقة ولكنها بحجم أصغر. فإذا كان بالإمكان أن يتعايش البوسنيون والكروات والصربيون في دولة صغيرة، فلماذا لم يسمح لهم بالعيش في يوغسلافيا الكبيرة؟. لماذا لم يتدخل الناتو قبل سفك الدماء؟. لماذا لم يتم حوار سياسي وبشكل جدي منذ بداية أزمة البلقان؟ لماذا لم تسع تلك الدول لاحتواء ملوزفتش وتحويله إلى الديمقراطية بطرق تحفظ للشعوب معتقداتها وحريتها في ممارستها؟ ملزوفتش يستحق المحاكمة بلا شك، ولكن للغرب ضلع في سفك دماء البوسنيين والألبان بطريق غير مباشر ولو أنه أقرب إلى المباشر.
تصلب ملوزفتش وإغراقه في قوميته وتعصبه لأبناء جلدته قاده إلى عمى بصيرته وتسلطه على الألبان مقتديا بالروس في قمع الشيشان، ولكنه نسي أن روسيا غير يوغسلافيا في الإمكانية العسكرية والسياسية والحجم والبعد الجغرافي. كما نسي أن الغرب نصبوا له شركا يكون عبرة لمن يتعصب لقوميته.
إن هذه المحاكمة كما يبدو ظاهريا أنها محاكمة لمجرم حرب ولكن مضمونها ونهايتها هي محاكمة سياسية، ورغم أنه مدان سلفا من قبل الرأي العام العالمي، ومن قبل الساسة ومن قبل الصحافة إلا أن هذه المحاكمة أوضحت كيف يمكن أن يتم التمييز بين مجرمي الحروب، حيث يقبض على البعض ويحاكمون ويبقى الآخرون طلقاء ومدعومين من قبل من يفترض أنهم يتبنون حقوق الإنسان ويدافعون عنها
مناحيم بيقن رئيس وزراء صهيوني سابق بقي ممنوعا من دخول بريطانيا إلى آخر حياته لجرائمه ضد الفلسطينيين التي على رأسها مذبحة دير ياسين ولم يحاول الغرب محاكمته.
لقد أثارني إلى كتابة هذا المقال مشاهدتي في إحدى القنوات الفضائية لجزء من محاكمة ملزوفتش حيث استدعى «بادي أشتان» زعيم حزب الأحرار في بريطانيا علي ما اعتقد المبعوث الأوروبي ليوغسلافيا أثناء حرب ملوزفتش ضد الألبان للشهادة ضد ملوزفتش.
جرى حوار بين الشاهد والمتهم حيث قال الشاهد وهو أول سياسي أوروبي يستدعي للشهادة ضد ملوزفتش لقد شاهدت جيشك اليوغسلافي وهو يهاجم المدنيين في كوسوفا والثوار الألبان ويقتل ويدمر رد عليه المتهم ملوزفتش وقال ماذا تريدنا أن نفعل إن أولئك إرهابيون ولا بد من محاربة الإرهاب والإرهابيين، ألم تفعلوا ذلك ضد منظمة الجيش الأيرلندي المحظور في أيرلندا؟ لم يجد صعوبة بادي اشتان في الرد حيث قال نعم نحارب الإرهاب وصحيح أن هناك إرهابيين في كوسوفا هاجموا الصربيين ولكننا في أيرلندا لم نستخدم الدبابات والمدرعات والمدافع ضدهم وضد المدنيين بينما أنتم استخدمتموها ضد هؤلاء، وهذه المبالغة في استخدام القوة العسكرية هي التي جعلتك تكون في هذا المكان ولو كنت سمعت كلامي في عدم استخدام القوة العسكرية لما كنت أنت هنا أي في محكمة العدل الدولية ولما كنت شاهدا ضدك.
إذاً المحاكمة هنا لميلوزفتش حسب أقوال الشاهد هو لأنه استخدم الدبابات والمدافع والمدرعات ضد المدنيين والإرهابيين الألبان في كوسوفا. إذا كان الأمر كذلك فأين القادة الأوروبيون والأمريكيون الذين سعوا لمحاكمة ملوزفتش عن ممارسات شارون؟. معظم القادة الأوروبيين زاروا فلسطين المحتلة، وربما نصحوا شارون الصهيوني بعدم المبالغة في استخدام القوة ضد الفلسطينيين ولكنه استخدمها، معظم القادة الأوروبيين شاهدوا على الطبيعة الدمار والخراب واستخدام الدبابات والمدرعات والطائرات الحربية والهليكوبتر والزوارق الحربية ضد الفلسطينيين. معظم القادة الأوروبيين شاهدوا قتل المدنيين الفلسطينيين وتدمير منازلهم وجرف أراضيهم الزراعية وحصارهم وتجويعهم بل وتدمير سيارات الإسعاف وترك المصابين ينزفون حتى الموت، معظم القادة الأوروبيين شاهدوا النساء الفلسطينيات يلدن عند الحواجز الصهيونية بل ويمتن مع أجنتهن دون شفقة ولا رحمة. ورغم كل ذلك لم يحركوا ساكنا ضد شارون وطغمته العسكرية، كل الذي يرونه هو عندما يقوم مستشهد فلسطيني بعملية ضد مدنيين ويركزون عليها ويتهمون الفلسطينيين بالإرهاب.
يقولون للفلسطينيين لا تهاجموا المدنيين وهاجموا العسكريين. أين الإنصاف وكيف تكون المواجهة جيش منظم مدجج بكل أنواع الأسلحة المتطورة وشعب أعزل لا يملك إلا بعض الرشاشات الخفيفة وأجساده التي جعلها وسيلة الدفع للمتفجرات التي يلف بها الشهداء وسط أجسادهم.
لقد اقترف شارون مذابح صبرا وشاتيلا سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، ولو لم يدخل بيروت بجيشه لما حدثت تلك المذبحة التي هي وصمة عار في جبين الغرب الذي يتشدق بحقوق الإنسان، ورغم أنه منع من تولي مناصب سياسية لفترة موجزة ليعود ليتولى وزارة البنى التحتية ثم يتسنم رئاسة الوزراء ليعود لممارسة هوايته المتمثلة في سفك مزيد من دماء الفلسطينيين، ويظهر أسفه بأنه لم يقض على ياسر عرفات أثناء دخوله لبيروت.وها هو اليوم حر طليق يتوعد بسفك مزيد من الدماء الفلسطينية وتركيع الفلسطينيين وإذلالهم، هل سيشهد الساسة الأوروبيون يوما ما ضده ويحاكموه أم أن دماء الفلسطينيين تختلف عن دماء سواهم وهي محللة لمن يرغب في قتلهم ؟ هل شارون لم يستكمل الشروط التي تجعله مجرما في نظر الغرب وأمريكا أم أن المعايير تختلف حسب الموقع الجغرافي لمرتكبي الجرائم بحيث تختلف في البلقان عما هي عليه في فلسطين؟ أمريكا وبريطانيا مستعجلتان على إسقاط النظام العراقي، وربما محاكمة النظام العراقي في الوقت الذي تستباح أراضي الفلسطينيين وتدمر منازلهم ويقتل قادتهم وتهدر كرامتهم. هم مستعجلون على النظام العراقي في الوقت الذي تمثل القضية الفلسطينية الهاجس الأكبر للأمة العربية، هم يسعون إلى تدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق التي قد لا يكون منها ما يهدد بينما ترسانة الصهاينة بها أكثر من مائتي رأس نووي.
لقد كانت المحكمة البلجيكية جريئة في قبول دعوى ضد شارون، وأعتقد أنه حان الوقت لتبني الجامعة العربية مشروعا يقدم للأمم المتحدة لمحاكمة شارون وقادته العسكريين.
لقد ظل الصهاينة منذ عام 1945م ولا يزالون يطاردون من يعتقدون أن له علاقة بجرائم النازيين ضد اليهود ويخطفونهم من أي مكان ليحاكموهم ويدينوهم بأدلة ضعيفة، فما بال العرب لا يطالبون بالمحاكمات لقادة الصهاينة وهم لديهم الأدلة الحية فربما يحيا ضمير بعض قادة الغرب ليشهدوا ضدهم كما سيشهدون على ملزفتش.
|