نشر الزميل الدكتور مالك الأحمد مؤخراً الذي لا تربطني به قرابة رغم تشابه اسم العائلة وهو أستاذ في كلية الهندسة بجامعة الملك سعود، وله علاقة جد وثيقة بالإعلام وبالذات الإعلام المقروء، فقد كان له إسهامات كبيرة في تأسيس وتحرير عدد غير قليل من الجرائد والمجلات وبالذات المتخصصة لعل من بينها مجلة الأسرة ومجلة شباب ومجلة سنان وأخيراً جريدة المحايد.
نعود إلى الكتاب الذي كان بعنوان العولمة في الإعلام من تأليف إدوارد هيرمان وروبرت ماكشسني، وكان دور الدكتور مالك التحقيق والتقديم والإشراف على الترجمة، وصفحات الكتاب تؤكد على العلاقة الوثيقة بين الإعلام والاقتصاد، بل إنه يعتبر أن القرن الميلادي الحادي والعشرين قد حوّل النشاط الإعلامي من نشاط سياسي إلى نشاط اقتصادي، في السابق كانت الدول تتسابق لإنشاء قنوات إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية من أجل نشر فكرها السياسي، أما اليوم فإن الشركات المتعددة الجنسيات تتسابق نحو فتح هذه القنوات لنشر العادات الاستهلاكية والتسويقية ولبث الإعلانات التجارية التي تسوّق سلعا استهلاكية ومعها بل ومن خلالها يتم تسويق الأفكار والمبادئ والقيم والثقافات التي تحث على عادات معينة في الأكل والشرب والملبس والترفيه.
والقيم التي يتم تسويقها من خلال الوسائل الإعلامية المسموعة والمقروءة والمرئية هي قيم وعادات وسلع الأقوى اقتصادياً، والأقوى عسكرياً وهو دون شك هنا الولايات المتحدة الأمريكية. كل ما يقدم من خلال الوسائل الإعلامية اليوم أن لم يكن أمريكيا من حيث المحتوى فهو أمريكي من حيث الفكرة والشكل فكل شيء من البرامج الإخبارية، إلى برامج المسابقات، البرامج الحوارية، وبرامج المقابلات والدراما بل إن الفيلم الأمريكي أصبح يتسلل إلى كل منزل بل وكل كوخ في كل أرجاء الكرة الأرضية، مع الرسائل الإعلامية وعبر وسائلها المختلفة دخلت الثقافة الأمريكية في الموسيقى وفي المأكل والمشرب والملبس وفي تسريحة الشعر وفي تأثيث المنزل بل وفي تصميمه قبل بنائه وفي ديكوره الداخلي.
وعن المجتمعات المستهدفة في العولمة الإعلامية أو في الإعلام المعولم يشير الكتاب إلى أن كل المجتمعات دون تخصيص مستهدفة في هذا الإعلام إلا أن الأولوية للمجتمعات الغنية في أمريكا نفسها وفي بقية دول القارة الأمريكية الشمالية والمعني هنا كندا.
بعد ذلك تأتي على التوالي دول أوربا وجنوب شرقي آسيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط والملاحظ أن العولمة الإعلامية تتدرج من الدول الغنية إلى الأقل غنى حتى تشمل كل العالم بما فيها أفقر الدول في القارة الأفريقية، ويتضح هنا أن الهدف من عولمة الإعلام برسائله ووسائله هو هدف مادي أو بلغة أخرى نشر الثقافة الأمريكية بمعناها الشامل للحصول على المزيد من المستهلكين للمنتجات وللسلع الأمريكية ومن ثم زيادة المردود المالي للشركات المتعددة الجنسية والتي يسيطر على النسبة الأعظم من رأسمالها الأمريكيون.
بيّن الكتاب أن الوسائل الإعلامية المرئية المسموعة والمتمثلة اليوم بشكل رئيسي في التلفاز والسينما هي الأوسع انتشاراً وتأثيراً في العالم وخصوصاً بعد تداخل هذه الوسائل مع الحاسب والإنترنت وبيَّن أن هذا التأثير جاء نتيجة لعدة عوامل يقف في مقدمتها رسائل هذه الوسائل التي تعتمد على القليل من الكلام والكثير من الصور المتحركة والإيحاء وقبل ذلك وبعده المعلومات.
هذا الكتاب يزخر بالكثير من التفاصيل حول العولمة الإعلامية وقد نعود إليه في كلمات معدودة قادمة.
|