بداياتي الأولى كانت في الشعر والمسرح، اعتقد ان الشعر هو تواصل وجداني وكذلك المسرح، فالميل إلى التواصل مع الآخر يشكِّل ربما جاذبية بالنسبة للفتى الطالع لا سيما انه استتبع ذلك اهتمام أساتذتي في اللغة وكانوا يشجعونني في الاشتراك بالجمعيات المعروفة في مدينة دمشق وأحدهم كان د. أمجد طرابلسي وهو علم من أعلام الثقافة واللغة وأصبح فيما بعد وزيراً للثقافة فقد شجعني وكان يأخذني من يدي إلى الجمعيات وكنت ألقي بعضا من أشعاري المبكرة التي نشرت في مجموعة «غداً تقولين كان» هذه الجمعيات على ما أذكر منها جمعية الفنون السورية التي عرضت علي ان تطبع المجموعة المبكرة في العشرينيات وأيضاً الإذاعة السورية خصصت لي اشتراكا بين فترة وأخرى القيت فيها قصائدي وعمري آنذاك لا يتجاوز ال«22» عاماً ونما الوعي لدي بأن طابعي الشعري او نكهتي الشعرية مقبولة عند الآخرين رغم وجود اسماء بارزة شعرية في ذلك الوقت.
قبل ذلك وتحديداً في الفترة العمرية بين «16 19» من عمري كنت أعارض الشعر القديم أو أقلّده مثل الشعر العباسي والأموي والاندلسي ونسيت هذه المرحلة كلياً ثم جئت إلى مرحلة أخرى وهي الانغماس في بيئة دمشق ولغتها وحياتها وعاداتها مما جعلني اكتشف الجانب الشعري في الحياة اليومية هذا الذي جعل الناس يهتمون بشعري الذي نشر في مجمله في مجموعتي «غداً تقولين كان».
وفي سن السادسة عشرة كان أساتذتي في الهندسة والرياضيات والعلوم يدفعونني إلى دراسة العلوم واذكر ان أحدهم قال لي: لا بد ان تدرس الهندسة وكنت وقتها أدرس في الثالث المتوسط وعلاماتي في العلوم كانت متقدمة لكن فجأة تحوّلت من العلوم إلى الشعر والأدب.
أما المسرح باعتباره لعباً إبداعياً، فقد كنا نحضر مسارح المدينة ونتأثر بها ونذهب في المساء إلى الحارة نرتجل مسرحاً شعبياً يشترك فيه الأطفال، وقد كتبت مسرحيات شعرية مبكرة، ثلاث مسرحيات كتبتها في عام 1950م ومنها «ابن الأرض» وهي تحكي قصة الأرض والفلاح والحرية والحب، وقد اخرجها شيخ المخرجين يوسف فهدة وقد أذاعتها صوت أمريكا مرات عديدة، وهي مسرحية فيها جزالة اللغة وقدرة التعبير وتلمس لأسلوب خاص بي كشاعر، والمسرحية الأخرى «جراح من فلسطين» تحكي عن الفلسطينيين والمخيمات وهذه المسرحية نشرت فيما بعد، والمسرحية الأخيرة هي «جسر الموتى» وقد أخرجت بالإنجليزية بعد ان تُرجمت وتم عرضها على مسرح الهواة في جامعة بوترن في بنسلفانيا وهي الجامعة التي كنت أدرس بها.
|