أحب كثيراً قضاء اجازتي الدراسية في قريتي..
هناك أمي وأهلي وأحبائي.. كما فيها الحياة..
وأحببت كثيراً براد الشاي قبيل مغيب الشمس في «حوشنا» الصغير..
فأنا لا أحب مطلقاً الخروج من البيت في الوقت الذي استمتع فيه بمراقبة «روابي» و«شهد» ابنتي أخي الأكبر وهما تلعبان بجانبي..
تعجبني مشاجرتهما.. غضبهما.. وحتى البكاء..
ففي الوقت الذي تعبث فيه «شهد» ابنة العام ونصف العام بالتراب المبلول.. ترفض اختها بكبريائها اللعب إلا بقالب نظيف من الرمل.. وكثيراً ما تصرخ بأختها الصغيرة..
«شوفي.. وسختيني!!»..
وبينما هو الحال.. أشرب كوبي تارة .. وأبقى حكماً لمصارعة الأطفال في أخرى.. فتح الباب.. ودخلت منه طفلة صغيرة لا تتجاوز شتاءها الرابع.. وقد حملت بثيابها الرثة بين ذراعيها أخاها الرضيع..
تقدمت بكل هدوء وخجل ووجهها الشاحب الأسمر يشكي عذاب الدنيا كلها في عينيها..
توقفت أمامي وقالت «أعطنا مما أعطاك الله»..
أشرت إليها بالدخول إلى المنزل..
وعندما عادت.. حاملة أخاها الصغير الذي راح يبكي..
توقفت أمامي وبقيت تهدئه وتربت على ظهره.. ومطلقة من فمها شقشقة عجيبة.. لعلها تلاعبه عله يسكت..
نظرت إلى عينيه وإذا بها غبراء قاتمة قد عاث فيها التراب ما عاث.. وأهلكها الحر والبكاء..
«قد اعتدنا عيون الأطفال.. بيضاء.. صافية.. جميلة»..
ابتسمت للصغيرة لعلها صدقة حتى تبتسم.. وسألتها..
ما اسمه؟!
فردت بوجهها الحزين:
«ذي بنت»
عدت ببصري إليها مستغرباً.. بنت؟!!
«إيوه»
ما اسمها..
فردت وهي تنظر إليها: فايزة.
ولم تمض ثوانٍ حتى اختفت عن ناظري وغرقت مفكراً..
«فايزة.. فتاة لم تتجاوز الأشهر السبعة.. تبكي.. ولدت لتحتضر الحياة.. هي وأختها..»
راقبت ابنتي أخي وهما تلعبان..
ستغرب الشمس بعد قليل وتذهبان للنوم.
يا ترى أين ستنام فايزة؟!
عيسى حربين قسم الإعلام
|