* كتب مندوب الجزيرة:
أكد معالي رئيس البنك الإسلامي للتنمية الدكتور أحمد محمد علي أهمية الجهود الرامية إلى تفعيل الدور الاقتصادي والاجتماعي لمؤسسة الوقف، مما يسهم بإذن الله تعالى في إحياء الدور الرائد للوقف في الحياة المعاصرة، كما أسهم من قبل في بناء الحضارة الإسلامية، حيث كان ولا يزال يشارك بقدر ملحوظ في تمويل الكثير من المرافق الاجتماعية الحيوية، كالمرافق الدينية والتعليمية والثقافية والصحية وغيرها، وقد بهرت منجزات الوقف العلماء والمؤرخين، مما جعلهم يدونونها في مؤلفاتهم التي تتناقلها الأجيال المتعاقبة.
وأوضح الدكتور أحمد محمد علي في حديث له بمناسبة انعقاد ندوة «الوقف في الشريعة الإسلامية ومجالاته» أن انعقاد هذه الندوة المباركة في مدينة الرياض خلال المدة 12 14/1/1423ه يكتسي أهمية بالغة، كونها تأتي عقب المؤتمر الأول للأوقاف الذي أشرفت عليه وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالتعاون مع جامعة أم القرى بمكة المكرمة، لتحدد بدقة مجالات الأوقاف وقضاياه في إطار التطبيق المعاصر، ويأتي هذا التفعيل المبارك لعقد الندوات العلمية المختصة بالأوقاف في وقت تعززت فيه الاهتمامات نحو إعادة الاعتبار للوقف كإحدى المؤسسات الطوعية الإسلامية التي يمكن توظيفها في تعزيز جهود التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي في الدول والمجتمعات الإسلامية.
وأشار معاليه إلى أن الجهود النظرية والتطبيقية في هذا المجال قد نشطت، وحظيت ممتلكات الأوقاف لدى العديد من الدول الإسلامية بالمساعي الهادفة إلى تطويرها، ورسم الخطط والبرامج الخاصة بتثميرها، وإصلاح هياكل الإدارات المختصة بشؤونها، واصفا تلك الجهود بأنها عمل طيب مبارك يصب في خانة الجهود الرامية إلى تفعيل الدور الاقتصادي للوقف.
وأكد معالي الدكتور أحمد محمد علي أن هذه الرعاية الكريمة من قبل صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أمير منطقة الرياض تأتي ضمن حلقة من حلقات العناية الفائقة التي يوليها أولو الأمر في هذا البلد المعطاء لقطاع الأوقاف منذ أن وحد هذا الكيان ووطد أركانه الملك المؤسس الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود طيب الله ثراه .
وقال معالي رئيس البنك الإسلامي للتنمية في هذا الصدد : إنه بعد أن أبقى الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى تنظيم الأوقاف على ما كان عليه الأمر إبان حكم الدولة العثمانية في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة ردحاً من الزمن، عمل بعد ذلك على إنشاء إدارة للأوقاف في هذه المدن أسوة ببقية مناطق المملكة. وعندما ظهرت التنظيمات الأساسية للمملكة سنة 1354ه شملت تنظيم الأوقاف، تلاها صدور مرسوم ملكي كريم يربط إدارات الأوقاف وفروعها بمدير عام مقره مكة المكرمة.
وأضاف معاليه أن هذه العناية بأمر الأوقاف تواصلت حتى أنشئت عام 1381ه وزارة الحج والأوقاف، ثم أفرد الحج بوزارة مستقلة، وألحقت الأوقاف بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في عهد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ، مشيرا إلى أنه ليس بغريب أن تحظى هذه الندوة بهذه الرعاية الكريمة من لدن سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز اقتفاء للأثر الطيب، وسيرا على النهج تشجيعاً للأوقاف ومحافظة عليها، هكذا كان دأب عناية أولي الأمر في هذا البلد الكريم بموضوع الأوقاف منذ تأسيس هذا الكيان.
وبيَّن معالي الدكتور أحمد محمد علي أن الوقف يعني في أبسط مفاهيمه حبس أصل عن التداول والتصدق بمنافعه في جهات البر، فهو صدقة من الصدقات الجارية التي أشار إليها المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بقوله: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، مشيراً إلى أن إسهام الوقف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية يأتي في إطار ما يعرف في الاقتصاد بتنمية القطاع الثالث الذي يصنف كقطاع مستقل عن القطاعين الحكومي والخاص، حيث ان الوقف يمثل مؤسسة اقتصادية اجتماعية متفردة، لها أهداف خاصة، وتؤدي دوراً كبيراً في خدمة الأهداف التنموية العامة.
وأضاف معاليه في السياق نفسه قائلاً: وربما يحسن الإشارة في هذا المقام إلى أهم عناصر الدور الاقتصادي والاجتماعي للوقف والمتمثلة في تحويل الأموال الموقوفة من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الاستثمار، فالموقوف يتحول بمجرد وقفه من مال كان بإمكان الواقف استهلاكه، إلى مال مدخر مستثمر في أصل منتج، ومن ثم فإن نمو القطاع ينعكس إيجاباً على نمو قطاع الاستثمار والإنتاج، وكذا التأثير على إعادة توزيع الثروة والدخل، فالوقف يؤدي إلى انتقال المال الموقوف من ملكية الواقف؛ ليصبح في حكم ملك الله مع صرف المنفعة في وجوه البر، فينتفع منه أفراد المجتمع المعينون بأوصافهم كالفقراء والمساكين، والأرامل، واليتامى، والمرضى، وطلاب العلم، وغيرهم من ذوي الاحتياجات، أو المعينون بأشخاصهم كذي القربى.
واستطرد معاليه في الصدد نفسه يقول: وأيضاً من أهم عناصر الدور الاقتصادي والاجتماعي للوقف المساهمة في تحقيق أهداف التنمية البشرية، إذ ان الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة من الأغراض التي عني بها الوقف عبر مسيرته التاريخية الحافلة، وحتى عصرنا الحالي، وإسهام الوقف في الإنفاق على هذه المرافق يمثل دعماً حقيقياً لمسيرة التنمية، كذا دعم الأنشطة الموجهة إلى مرافق البنية التحتية، إذ ان للوقف الدور الفاعل في تمويل مرافق البنية التحتية، مثل: الآبار والجسور، وغيرها من مرافق البنية التحتية.
وشدد معالي الدكتور أحمد محمد علي على أن وضع هذا التوجه ضمن خطة استراتيجية؛ لتنمية مؤسسة الوقف،وتطويرها، وتثمير ممتلكاتها في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة لا تتم دون الخوض في غمار تحديات ينبغي العمل على إزالتها وتطويعها، مبينا أنه وفي ضوء تجربة البنك الإسلامي للتنمية في الدول والمجتمعات الإسلامية وما حفل به برنامجه من نشاط علمي حول الوقف بدا واضحا أن هنالك عدة قضايا ومسائل تتطلب النظر والمعالجة من أجل تمهيد الطريق لمؤسسة الوقف؛ لتواصل مسيرتها نحو النمو والتطور.
واستعرض معاليه في هذا الخصوص بإيجاز المجالات الرئيسة التي ينبغي أن تتركز حولها الجهود الرامية إلى إصلاح مؤسسة الوقف، وتعزيز دورها في دعم مسيرة التنمية، وتشمل تلك المجالات، أولاً: مجال أنظمة ولوائح الوقف وتشريعاته، إذ ان من أهم ما يتطلبه النظر في الأوقاف هو العمل على إيجاد أنظمة ولوائح مستقاة من الكتاب والسنة والأحكام الاجتهادية للأئمة الأعلام؛ لتنظيم أعمال الوقف، وإذا ما أمعنا النظر في خصوصية الوقف، وما له من وضع مميز في الشريعة الإسلامية، فإننا نجد أنه من الضرورة بمكان وجود تلك الأنظمة واللوائح في كل بلد ومجتمع إسلامي، حرصا على صيانة مال الوقف، وإحكاما لتنظيماته، ولتكون مثل هذه الأنظمة مرجعا دقيقا وأمينا لأحكامه، وآلية للاجتهاد من أجل رفع الخلاف في فرعياته، وفي هذا الإطار ينبغي الاهتمام أيضا بالعمل على صياغة نظام نموذجي للوقف يمكن تطبيقه في الدول والمجتمعات الإسلامية التي ترغب في إنشاء مؤسسات للأوقاف.
وقال معاليه في هذا السياق : إن وجود مثل تلك الأنظمة واللوائح وحده لا يكفي؛ لتحقيق الطفرة المنشودة في النهوض بمؤسسة الوقف، وزيادة فاعليتها الاجتماعية والاقتصادية، فالأمر يتطلب فوق ذلك المراجعة الدورية لكل الأنظمة والتشريعات؛ لتواكب ما يستجد من قضايا الوقف وفقاً لمعطيات الواقع المعاصر، وسواء أكان ذلك في ما يتصل بتثمير مال الوقف، أم توظيف ريعه، أم في إنشاء أوقاف جديدة.
وأضاف معالي رئيس البنك الإسلامي للتنمية قائلاً: إنه من المجالات الرئيسة التي ينبغي أن تتركز حولها الجهود الرامية إلى إصلاح مؤسسة الوقف، مجال الإصلاح الإداري، وهو المحور الثاني الذي ينبغي أن تمتد إليه الجهود الرامية إلى تفعيل دور الواقف، فقد حفلت أدبيات الوقف المعاصرة بكثير من الجدل حول الصيغة الإدارية الملائمة للوقف، فهناك من يرى ضرورة التقليل من دور الدولة في إدارة الوقف لأسباب عدة ليس هذا مجال بحثها والتفصيل فيها ، وهنالك من يرى إفساح مجال أوسع لمؤسسات العمل الأهلي، أو ما يعرف بالمؤسسات غير الحكومية للمشاركة في إدارة الأوقاف نظراً لقرب مثل هذه المؤسسات من المجتمع وقدرتها على تحقيق قدر أكبر من الشفافية الإدارية، ومنهم من يتحفظ في قبول فكرة التفريط في الرقابة المركزية المحكمة على أمر الوقف خوفاً على أمواله من الضياع والهدر.
وخلص معالي الدكتور أحمد محمد علي إلى القول: إنه من مجمل ما تقدم تبرز الدلالة الواضحة على أن البحث في القضية الإدارية للوقف قد غدا من الضرورات الملحة، وذلك للتوصل إلى النظام الإداري الذي يحقق التناغم والتآلف بين عدة عناصر يقوم عليها النظام الإداري الوقفي الناجح، ومن تلك العناصر استقلالية الوقف التي ضمنها له الشرع الحنيف، وأحقية الدولة في رعاية حقوق المجتمع والقيام عليها، ومصلحة المنتفعين بالوقف، وخدمة الأهداف والتوجيهات القويمة العامة إلى غير ذلك من العناصر، والتحدي الذي نواجهه يكمن في إيجاد الصيغة الإدارية التي تتحد في داخلها كل هذه العناصر.ومضى معاليه يقول: إن من المجالات أيضاً التي يجب أن تتركز عليها إصلاح مؤسسة الوقف مجال التمويل، حيث تمثل مشكلة التمويل في العديد من الدول والمجتمعات الإسلامية إحدى المعوقات الرئيسة التي تقف أمام تثمير ممتلكات الأوقاف، وتعظيم ريعها، وكما هو ملحوظ فإن ممتلكات الأوقاف تغلب عليها الأراضي والأعيان العقارية مما يجعل شح السيولة النقدية أمراً معهوداً لدى إدارات ومؤسسات الأوقاف، ولعل هذا ما دفع بالأوقاف لتظل لردح طويل من الزمن رهينة صيغ استثمارية وتمويلية تدور حول عقد الإجارة مما أضعف من قدرة الأوقاف على تحصيل ريع يكفي لتحقيق أهدافها، ويمكنها من تحقيق النمو والتطور المتواصل.
وأوضح معاليه أن هذا الحال دفع العديد من المؤتمرات والندوات وحلقات العمل المتعلقة بشؤون الوقف إلى تأكيد ضرورة استحداث قوالب مؤسسية وصيغ تمويلية تضطلع بمهمة تجميع الموارد الكافية؛ لتمويل مشروعات الأوقاف بالدول والمجتمعات الإسلامية، وقد أثمرت توصيات تلك الندوات والمؤتمرات عن بعض الجهود الطيبة المباركة للنهوض بالدور التنموي للوقف، .
|