في تباين كبير في العادات الغذائية للشعوب، يحتار ذو اللب في التمييز بين الصالح والطالح، غير أن القول الفصل في ذلك يعود إلى الأطباء وعلماء التغذية.
ففي المملكة تمضي ربة البيت ساعات كثيرة في المطبخ لإعداد الطعام، مصطلية بنار المواقد، منشغلة بتنظيف الصحون، ومتفائلة في تزيين السفرة. هذه الساعات قد تصل إلى ثلاث ساعات أو تزيد عنها، ونأتي نحن أفراد العائلة لنلتهم كل هذا في بضع دقائق وكأن الأمر لا يعدو كونه مهمة يجب تنفيذها بأسرع وقت ممكن، بل كأننا نسابق الزمن في ملء المعدة بما لذ وطاب، وبعدها ينتقل الدم من الرأس إلى المعدة ليساعد في امتصاص ما يمكن امتصاصه وتحويل ما تبقى إلى الأمعاء، فيصاب الأكول بخمول قلَّ نظيره فينتظر حوله لعله يجد مساحة يمد فيها رجليه ويتوسد يديه، إذا لم تجود له الظروف بوسادة ويستمر في سبات عميق لمدة قد تزيد عن ساعتين وبعدها يقوم مستأنفاً برامجه المعتادة.
وفي بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا، يعتبر تناول الطعام متعة في ذاته، وفيه يقدم الغذاء على مراحل يعطى المعدة متسعاً من الوقت لهضم بعض مما بليت به، غير أن به إطالة مملة قد تتجاوز ثلاث ساعات وهي الفترة المساوية لإعداده لكن هناك من تستهويه هذه الطريقة ولله في خلقه شؤون.
وفي الصين وبعض دول الشرق يتناول البعض طعامهم في فترة لا تقل عن ساعة ولا تزيد عن الساعة ونصف الساعة في الغالب، وهي فترة معقولة، غير أن ما بلغت النظر في ذلك النمط من تناول الطعام هو تعدد الطباق المقدمة والتي في غالبها لا تقل عن ثمانية ولا تزيد عن اثني عشر تبدأ بطبق الحساء في الغالب، ولابد أن تنتهي بالفاكهة، كما أنها لن تخلو من الأسماك والثوم، بما فيهما من رائحة خاصة.
وفي الوقت الذي يتناول المواطنون في المملكة غذاءهم بأيديهم في الغالب، فإنهم يستخدمون الملاعق والسكاكين في أوروبا، بينما يكتفي الصينيون باستخدام الأعواد المخصصة لذلك، وطبقاً لطريقة تناول الغذاء يكون أسلوب الإعداد، فمثلاً إحضار الأرز في المملكة بطريقة تجعل حبوبه متناثرة غير متلبدة، بينما لابد لها أن تكون متلبدة في الصين حتى يمكن للأعواد حملها حيث لا يمكن حمل الحب المتناثر على الأعواد.
ومن الملاحظ أن اليد أو الملعقة أو الأعواد لا يمكنها التعامل مع المعكرونة الطويلة فيبدو المنظر غير مقبول عند تناولها باليد، أو من الفم شفطاً عند تناولها باستخدام الأعواد، بينما يأخذ تقطيعها بالسكين ثم تناولها بالشوكة وقتاً طويلاً من أولئك الذين لا يحسنون لفها على الشوكة ومن ثم تناولها كما يفعل سكان إيطاليا.
وبالنظر لنوعية الغذاء فإن الغذاء في المملكة يتكون في مجمله من الكربوهيدرات واللحوم مع إضافة شيء من الزيوت، وفي الدول الأوروبية تغلب اللحوم على الموائد، في الوقت الذي تتنوع فيه المائدة الصينية بين أنواع اللحوم والخضار، وهي في رأيي أكثر الأنواع قيمة غذائية، أما مدى استساغتها من عدمه فهذا عائد للمتذوق ذاته ومقدار تذوقه لها.
ولعلنا في المملكة نعطي توازنا بين الساعات التي يتم قضاؤها في طهي الطعام وإعداده، وبين تلك التي نقضيها في تناوله وأن يكون مقدار الغذاء بقدر الحاجة لا بمقدار الإمتلاء، وأن تكون النوعية متوازنة مع مقدار الاستساغة.
ألبسنا الله وإياكم ثياب الصحة والعافية.
|