أسامة خليل مدير معهد اللغة والحضارة العربية بباريس وأستاذ فلسفة التاريخ من المفكرين القلائل الذين لم يقفوا باستعلاء ضد ثقافهتم العربية والإسلامية.. وبالمقابل لم يشعر أبداً بالدونية إزاء حضارة الآخر حيث يعيش في باريس منذ ثلاثين عاماً.
وفي كتابه المهم «الإسلام والأصولية التاريخية» يسعى اسامة خليل الى صياغة مشروع طموح يصل الحاضر بالماضي، ويستخلص من الدين والتاريخ والفلسفة واللغة منهجاً يساعدنا في البناء واستعادة الريادة.
حول هذا المشروع الذي يكتسب أهميته القصوى وبخاصة بعد أحداث سبتمبر، كان هذا الحوار/ الشهادة حول الحاضر والمستقبل:
* الغرب يخلط الأوراق ويصنفنا إلى علمانيين ومتشددين فقط!
* الصدع اليوم يدفع الجميع إلى الأصول الإسلامية
* في باريس الآن أكثر من 80 مكتبة عربية وإسلامية
معهد للحضارة
* لو تحدثنا في البداية عن معهد اللغة والحضارة العربية بباريس.. ماذا تقول عن أنشطته؟
نشاط معهد اللغة والحضارة موجه بالأساس للفرنسيين لتعليم اللغة العربية وتاريخ الأدب العربي وكل ما يتعلق بالحضارة العربية بوجه عام. وهذا النشاط يشارك به العرب الذين يجيدون اللغة الفرنسية سواء أكانوا مقيمين بباريس أم غير مقيمين. ويحرص المعهد على نشر ندواته الاسبوعية في الصحف والدوريات المختلفة، كما نشر كتاباً عن الدكتور مصطفى زيور احد رواد علم النفس بالوطن العربي ساهم فيه تلامذته الكبار مصطفى صفوان وسامي علي وأحمد فائق وحسين عبدالقادر وغيرهم، كما نظم المعهد لقاءات فكرية جمعت بين المثقفين العرب والفرنسيين وآخرها لقاء حول الرواية العربية في فرنسا شارك فيه جمال الغيطاني ومحمد البساطي، ولقاء آخر حول الترجمة وتحقيق جديد لمقدمة ابن خلدون ولكتابه شمال افريقيا والأندلس، بمشاركة المحقق عبدالسلام شدادي ومحمد اركون وجورج طرابيشي وغيرهم، وبعد احداث سبتمبر عقدنا ندوة مهمة عن امكانية الحوار بين الإسلام والغرب شارك فيها آلان دولبيران ودنيس بريناو وميشيل لانج وحسن حنفي وأركون ونصر ابوزيد وصلاح ستيتية وآخرون.
* سمعنا في الأيام الماضية عن مشروع يتبناه المعهد لتعميق الصلات بين الثقافتين العربية والفرنسية، ما أهم ملامح هذا المشروع؟
تحت وطأة الظروف العالمية الراهنة كان هناك اتفاق على ضرورة تقديم الفكر العربي الحي وترجمته، لإيجاد مضمون يمكن الحوار حوله، خاصة وان هناك مشاكل عديدة فيما يتعلق باختيارات الترجمة الى الفرنسية، ليس فقط على مستوى الإبداعات الفنية والأدبية، ولكن فيما يتعلق بمجال العلوم الإنسانية عامة. وتم التفكير في مشروع يرتكز على مجموعة من النقاط منها اقامة مؤتمر سنوي بين المفكرين العرب والفرنسيين بالتبادل بين القاهرة وباريس، اختيار عشرة اعمال من ميادين الإبداع والبحوث الإنسانية لترجمتها ونشرها في فرنسا وبالمقابل اختيار مجموعة من الأعمال الفرنسية وترجمتها الى العربية، وبالفعل تم ترشيح بعض الأعمال، كذلك فتح نافذة خاصة بباريس لعرض وتوزيع الكتب والصحف والمجلات العربية وفي المقابل عرض جزء من أعمال دار النشر «الهارمتان» الفرنسية التي ترعى هذا المشروع في بعض المنافذ بالقاهرة.
عرب في باريس
* وماذا عن تأثيرات ما بعد 11 سبتمبر على المثقفين العرب في باريس؟
يمكنني ان اقول انه بعد الحملة التي لا أجد لوصفها إلا لفظ «المسعورة» في تشويه الإسلام. ان هذه الحملة تتميز بأن لها وجهين: الوجه الأول يلح على انه لا ينبغي الخلط بين من يسمونهم بالارهابيين الاسلاميين وبين بقية المسلمين. الوجه الثاني تحت ادعاء البحث عن أسباب الارهاب الإسلامي ومصادره في المدارس القرآنية والمساجد، خاصة وان بعض المتهمين في قضية 11 سبتمبر فرنسيون من أصول من شمال افريقيا، ولهذا يذهبون الى المساجد ويقابلون زملاء المتهمين يسألونهم كيف تعلموا الإسلام وكيف تحولوا من اشخاص يسعون الى العلم الى منطويين على أنفسهم وكيف تحولوا من اشخاص متحررين الى مستبدين في منازلهم؟ الى آخر تلك الأسئلة. كما لو كانت المساجد في باريس هي اوكار لتخريج الارهابيين واعدادهم!! إذن يجب ألا نخلط بين النوعين هكذا يقولون لكنهم في الحقيقة يخلطون، فالغرب لا يرى في المجتمعات الإسلامية إلا قطبين اثنين: الإسلاميين المتشددين والعلمانيين التحديثيين. وهو بذلك يدفع كل من لا يجد نفسه في القطب العلماني نحو المتشددين، بحيث انني وجدت ان المثقفين العرب في فرنسا المتدين منهم وغير المتدين والمسلم منهم والمسيحي، جميعهم يشعر بانتمائه للهوية الإسلامية ويتصدى للدفاع عنها، وكأن الصدع اليوم يدفع الجميع نحو العودة الى الأصول الإسلامية. من جهة أخرى يعرب بعض المثقفين الفرنسيين عن خيبة أملهم في المثقف العربي ويبحثون عن الحوار مع المتشددين اعتقاداً منهم تحت تأثير أحداث 11 سبتمبر والحملة الإعلامية التي تجري وفق المخطط الامريكي ان المثقفين العرب التحديثيين لا يمثلون شيئاً وان القوى الفاعلة في مجتمعاتنا الإسلامية هي القوى المتشددة.
* وبرأيك ما الذي يفتقده العرب بالخارج.. وهل المؤسسات الثقافية كافية لأداء الدور المنوط بها؟
العرب بالخارج.. ربما استطيع أن أتحدث عن فرنسا على وجه الخصوص.. عندما انتقلت الى فرنسا عام 1970م لم تكن هناك مكتبات عربية باستثناء مكتبة اكاديمية متخصصة «المكتبة الشرقية» وكانت تصدر أعمالا بالفرنسية والعربية، واليوم هناك اكثر من 80 مكتبة عربية، غالبيتها مكتبات اسلامية، فهناك على سبيل المثال مكتبة ابن رشد وابن سينا والشرق والفابيتا والقلم والازهر، وهناك دور نشر تقدم اصدارات عربية هامة وترجمات مثل دار «سندباد» فضلاً عن دور النشر الفرنسية التي تترجم اعمالاً للقدامى والمحدثين كالجاحظ وابن سينا ونجيب محفوظ وصنع الله ابراهيم وغيرهم. هذا يعني انه خلال ثلاثين عاماً حدثت طفرة كبيرة في الإنتاج الثقافي العربي سواء المكتوب بالعربية او المترجم الى الفرنسية او حتى المكتوب مباشرة بالفرنسية. وهي طفرة تتفق مع مستقبل الحضور الثقافي العربي بباريس خاصة وان هناك جالية عربية وإسلامية في باريس تقدر بحوالي 6 ملايين مسلم، ما بين فرنسي الجنس ومهاجر مقيم بشكل دائم، وثمة اجيال من الجيل الثاني والثالث تدفعهم الأحداث الأخيرة الى التعرف على جذورهم العربية رغم ان غالبيتهم فرنسيو الثقافة واللغة.
النقد والمراجعة
* هناك سؤال يفرض نفسه حول ما يسمى بالنقد الذاتي او المراجعة.. باختصار ما الذي نحتاج الى مراجعته في ثقافتنا؟
هذا سؤال محير.. نظراً لاهتمامي بهذا الموضوع ضمن تيار عام موجود في العالم العربي يسمى تيار النقد الذاتي. ربما تكون كلمة مراجعة أكثر عمقاً من كلمة النقد الذاتي، لأنها من فهمي تتجاوز مجرد نقد التجارب السابقة والمعاصرة الى مرحلة الإعداد والتمهيد لتأسيس ثقافي وحضاري جديد، يمكن ان يضيف الى مجتمعاتنا ويسمح لهذه المجتمعات الإسلامية بالمساهمة الفعالة في الثقافة والحضارة العالميتين. هنا يبدو لي اننا نخطئ الطريق اذا اعتقدنا ان مجرد ترجمة علوم وآداب الآخر كافية لتحقيق هذه المهمة. فالدور الحقيقي او مهمة المثقف العربي اليوم هي اعادة الانتاج الثقافي بعد مرحلة الاستيعاب ولكن شرط ان يكون هذا الإنتاج متصلاً بالتراث الثقافي المحلي وخاضعا للمعايير المنهجية والاخلاقية المتأصلة في تربتنا.
إذا أردت ان أضرب لك مثلاً على ذلك، ففي علم الاجتماع هناك نظرية العقد الاجتماعي، هذه النظرية قادمة من الغرب وتحمل اسماء غربية وتدرس في جامعاتنا كما هي من خلال عروض مقتضبة او ترجمات. هذا منذ عصر رفاعة الطهطاوي حتى اليوم، ولا نستطيع ان ندّعي اننا انشأنا نظرية عربية إسلامية في علم الاجتماع، في حين اننا يمكننا ان نعتمد على مواد محلية في تراثنا الثقافي العربي الإسلامي، بالطبع لدى ابن خلدون، ولكن ايضا وبالأساس في القرآن الكريم حيث نجد ما هو اوسع واعمق وابعد تاريخاً وتوثيقاً من نظرية العقد الاجتماعدي وهو مفهوم «العهد» او الميثاق الذي يحدثنا عنه القرآن الكريم ويمتد الى اصول بعيدة جداً تتجاوز المسيحية واليهودية. هذا العهد به جزء ديني عقائدي، وبه ايضا بعد افقي يتجه نحو الحضارة والمجتمع وهو الخاص بالحفاظ على المبادئ الأساسية كالحفاظ على الملكية الخاصة وتحريم السرقة وتحريم الزنا والقتل وغير ذلك.
العهد والعقد
* ما وجه الخلاف بين هذا «العهد» كمفهوم اجتماعي وبين فكرة العقد الشائعة منذ جان جاك روسو الى الآن؟
مفهوم «العهد» بداية لو اعدنا قراءته يمكننا ان نؤسس عليه نظرية في التاريخ والاجتماع تسهم في ضمان الأمن الاجتماعي ونمو العمران البشري. ومن خلالها يمكن لحضارتنا ان تستأنف عملها من جديد، خاصة وانه من نسيج تراثها الروحي الذي يميز منطقتنا وحضارتنا التي يمكن ان نسميها بلا شك حضارة الكتاب، فهذا العهد يسمح لنا بتحقيق ما نحن في حاجة اليه كحجر أساس لكل نهضة مقبلة بما يمتاز به من وحدة روحية قائمة على العهد الابراهيمي الذي يلح عليه القرآن الكريم إلحاحاً شديداً في أكثر من موضع. ونحن اذا كنا نفكر في المستقبل فلا ينبغي ان تدفعنا مأساة الحاضر وتراجيد الاعتداء الإسرائيلي على فلسطين لإغفال هذه الحقيقة التي من الممكن ان تكون حجر الأساس للنهضة بعد القضاء على مصدر العدوان وإعادة الحق للشعب الفلسطيني بالوسائل السياسية والعسكرية، وهو ما يشغلنا كعرب ومسلمين ويتجاوز حدود البحث الأكاديمي.
الأصول
* إذا تكلمنا بشيء من التفصيل عن رؤيتك الفلسفية التي طرحتها في كتابك المثير للجدل «الأصولية التاريخية» يلاحظ ان هذه الرؤية تذهب في اتجاهين: الدفاع عن الذات الإسلامية والانطلاق نحو إعادة البناء.. فكيف ترى هذا المفهوم الشائك؟
الأصولية بالمعنى «الايجابي» الجميل تعني تفجير الينابيع من اجل وصل الموارد المعرفية والعمرانية بحركة الاستئناف والإحياء، فهي نظرية في العمل الحضاري تتميز بصدورها من قلب حضارتنا الكتابية التي نشأت على أصول عقد اجتماعي وعقدي واحد وهو «العهد» الفطري بين الله سبحانه وتعالى وبين الإنسان وتم توثيقه في التوراة والزبور والانجيل والقرآن، ويمكن تسميته بالعهد الدهري. والحق ان مصطلح الأصولية اقرب في محتواه الى المصطلح اللاتيني principia ويعني الأساس، والأساس من المعاني والمفردات التي تخصصت في عملية البناء وبوسعها ان تحتوي ثراء الفاعلية النمائية، وافضل تعريف هايدجر حول الأصولية الوجودية بمعنى النقطة الأصولية التي تفوق التاريخ ومع ذلك تصنعه.
* لكن الاستغراق في البحث عن أصول الذات ألا يؤدي للانغلاق او رفض الآخر على الأقل؟
لا أظن، فالنظرية الأصولية في ميدان فلسفة التاريخ محاولة للتمهيد من اجل إعادة امتلاك عناصر التكوين العلمي والحضاري لأمتنا العربية والإسلامية.
وهذا لا يعني، كما يحلو للبعض ان يقول، رفض الآخر ومكتسباته العلمية والحضارية. بل انني اغترف منها لتصب في وعاء معاييري الذاتية.
وكما يقول جوته في الديوان الشرقي: «إذا كان الإسلام معناه التسليم لله فعلى الإسلام نحيا ونموت جميعا».
* وبعيداً عن مشروعك الخاص حول الأصولية التاريخية.. كيف تقيم مشاريع النهضة العربية الإسلامية بوجه عام؟
أظن أن حركة النهضة الإسلامية الحديثة في عالمنا والتي بدأت في مطلع القرن التاسع عشر انتهت في ستينيات القرن العشرين، والمشاريع الفكرية التي تعددت منذ الستينيات حتى الآن لم تستطع مواجهة التدهور الذي أصاب مجتمعاتنا، بالطبع تختلف المجتمعات العربية في مراحل تطورها، فالشيخوخة أصابت المجتمعات المركزية التي حملت لواء النهضة الأولى بينما نجد المجتمع المغربي مثلا يجتاز اليوم كما يقول عبدالله العروي المرحلة الثقافية التاريخية التي اجتازتها مصر في الثلاثينيات أي مرحلة الاوج ثقافياً، كما اننا نشاهد رحلة التفتح الأولى لدى عدد من المجتمعات العربية غير المركزية خاصة في بعض دول الخليج حيث طلع علينا مفكرون يحملون مشاريع فكرية جديدة للنهضة. لكني مع ذلك أميل للقول اننا نعيش مرحلة تحول كبرى وان المشاريع التي تتزاحم حالياً ليست مشاريع نهضة جديدة بقدر ما هي محاولات للنقد الذاتي.
|