|
|
|
لا يختلف اثنان ان الرقابة الاعلامية بشكل عام والرقابة على الوسائل المطبوعة على وجه الخصوص أصبحت من بقايا الماضي، لقد كانت الرقابة القبلية على النشر هي السائدة في الكثير من دول العالم في النصف الأول من القرن الماضي، وهذا النوع من الرقابة كانت تعتمد على ايجاد مراقب يتم تعيينه في كل الصحف والمجلات لإجازة المادة الصحفية قبل نشرها وذلك من خلال مرورها على الرقيب المعين من الحكومة، بعد ذلك ظهرت الرقابة البعدية، وهي ان الرقابة تتم بعد النشر بحيث يتم ارسال مجموعة من النسخ من اي مطبوعة إلى دور الرقابة لإجازة توزيع اي مطبوعة على النطاق العام، وبدون هذا السماح أو مايعرف بالفسح تبقى المطبوعة دون توزيع، والرقيب في هذه الحالة له كل الحق في منع كل المطبوعة أو في تمزيق أو مسح وشطب اجزاء منها ولقد انتشرت الرقابة البعدية في النصف الأخير من القرن الماضي، القارئ أمام الرقابة كان لا يملك إلا الاستسلام وقبول ما يصل إليه أي ما أجازه الرقيب، عدد محدود جداً من القراء كان عندهم أساليبهم الخاصة للحصول أو للوصول إلي هذه المعلومة أو تلك التي منعها الرقيب.في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وفي العقد الأخير على وجه الخصوص حدث الكثير من التقدم في مجالات المواصلات والاتصالات وفي مجال تقنية المعلومات أو المعلوماتية، وهذا أدى إلى شبه شلل عام للرقابة بكل أنواعها القبلية والبعدية، أي قارئ يبحث عن أي معلومة يستطيع الحصول عليها من مصدرها الرئيسي بأساليب مختلفة ومتعددة لعل منها الإنترنت، والبريد الإلكتروني والفاكس العادي والفاكس الحاسبي.إذن عملية الرقابة أصبحت من أحاديث الماضي كل صحف العالم اليوم والمشهورة منها على الخصوص وبكل اللغات أصبح لها مواقع على الانترنت، فهناك في العام قبل الماضي حوالي مائة وأربعين صحيفة ومجلة باللغة العربية منشورة إلكترونيا على الشبكة العنكبوتية العالمية وفي حالة رغبتك بارسال مادة صحفية عبر البريد الإلكتروني فقد تطلب ذلك من الصحيفة أو المطبوعة نفسها أو من صديق سبق لك التعرف عليه أو حتى من صديق إلكتروني تعرفت عليه من خلال المحادثة الإلكترونية، وقد تصلك أحيانا حتى دون ان تطلبها إذ ان هناك من يتعاملون مع الإنترنت لنشر كل ممنوع.كما ان مصادرة الكتب أو الصحف وحتى الأفلام المرئية والمسموعة غدت من أحاديث الماضي فمن خلال مواقع المكتبات التجارية أو العامة يمكن طلب أي كتاب بل وحتى صفحة أو صفحات محددة في كتاب تفلسفت الرقابة وحاولت منعه، بل يمكن اليوم حمل مكتبة كاملة بها مليون كتاب على قرص مرن قد لايزيد حجمه على قلم عادي لايلفت انتباه المتخصصين فما بالك بالرقيب.إذن لاوقت اليوم للحجر على العقول البشرية ولا وقت اليوم للفسح ولا للمنع ولا للشطب ولا للتمزيق، فهذه العبارات أصبحت من مخلفات القرن العشرين ويمكن القول ان جميع المولودين في القرن الحادي والعشرين لن يفهموا معاني هذه الكلمات بل ان كلمة رقابة سوف تصبح غريبة عليهم وقد يبحثون عن معناها في القاموس.الحل الوحيد أمام هذا السيل العارم من النشر الورقي والإلكتروني السمين والغث هو التحصين الداخلي والقناعة الذاتية وإلا فلن تستطيع جيوش من رجال الرقابة سد هذا السيل العرمرم بعباءتهم مهما بذلوا من جهد ومهما صرف لهم من خارج دوام ومن ساعات إضافية لان الأمر بكل صراحة خرج من ايديهم ولان الخرق قد اتسع على الراقع. |
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |