الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه ، أما بعد : فإن للوقف بمجالاته المتعددة دوراً مهماً في الرقي بالمجتمع في المجالات العلمية وتحقيق التكافل الاجتماعي والعناية بالمساجد ودور العلم، وغير ذلك. والأمة الإسلامية اليوم تواجه تحديات كبرى في مجالات نشر الدعوة والتعليم والإعلام الإسلامي. وهذا مما يجعل الحاجة تشتد إلى التنبيه على أهمية الوقف في المجالات التعليمية والإعلامية. ولذلك فقد رغبت أن اكتب كلمات مختصرة حول هذا المعنى، وذلك من خلال المسائل التالية:
المسألة الاولى : تعريف الوقف:
الوقف في الاصطلاح: تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة، ويصرف ريعه إلى جهة بر تقرباً لله تعالى.
المسألة الثانية: ادلة الوقف:
اولاً: من القرآن الكريم: ورد في القرآن الكريم الحث على الاتفاق في سبل الخير، ومنه قوله تعالى :(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا مناً ولا اذى لهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وغيرها من الآيات التي فيها الحث على الانفاق في سبل الخير.
ثانياً: الادلة من السنة:
منها ما أُخرج في الصحيحين عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ان عمر بن الخطاب اصاب ارضاً بخيبر، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله ، إني اصبت ارضاً بخيبر، لم اصب مالاً قط انفس عندي منها، فما تأمر به؟ قال :«إن شئت حبست اصلها وتصدقت بها» قال: فتصدق عمر: انه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها ان يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول.
ومن ادلة السنة على الوقف ايضاً ما اخرجه مسلم مرفوعاً :«اذا مات الانسان انقطع عنه عمله الا من ثلاثة : الا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وغيرها من الادلة في السنة المطهرة كثير.
المسألة الثالثة: اهمية العلم وفضل التعليم:
قال الامام البخاري في صحيحه: باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى :«فاعلم انه لا اله الا الله» فبدأ بالعلم . وقد جاء في الحديث :«من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة».
ودلائل فضل العلم واهله كثيرة، وما هذا الا لاهمية العلم في تبصير المسلم بدينه ولما للجهل من دور في انتشار البدع المنحرفة عن سواء السبيل والافكار الضالة الوافدة المخالفة للشرع المطهر.
وادراكاً من الواقفين لاهمية العلم فقد جعلت الاوقاف على الكتاتيب والمدارس والمكتبات وخزائن الكتب الوقفية في العصور الاسلامية الاولى، مما كان له أكبر الاثر في نشر العلم والتعليم، والمساهمة في النهضة العلمية والدعوية في ذلك الوقت ومحاربة البدع والافكار الوافدة.
المسألة الرابعة: اهمية استخدام وسائل الاعلام في نشر العلم، والدعوة إلى الله تعالى.
الاعلام هو الاخبار: أو : ايصال المعلومة إلى من يراد وصولها إليه، وكلما كانت الوسيلة المستخدمة في اعلام الناس وايصال المعلومات اليهم تصل إلى عدد أكبر من الناس، فإنها تكون أكثر تأثيراً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى مجامع الناس ليعلمهم ويوصل الدعوة إليهم. فمن ذلك: عرض الدعوة على القبائل في موسم الحج لما كان بمكة، ومنه: خطبة الجمعة والعيدين، ومنه قوله تعالى :«وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله» أي: ورسوله بريء منهم ايضاً. وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم المؤذنين ليعلموا الناس: (ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)، كما ثبت في الصحيح.
وفي هذا العصر قد صار لوسائل الاعلام المعاصرة تأثير كبير على الناس فاصبح من المتأكد الاستفادة منها لايصال العلم والدعوة إلى الناس وتحذيرهم مما يضرهم في دينهم ودنياهم. فإنها وسيلة لتبليغ العلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام :«بلغوا عني ولو آية».
المسألة الخامسة: مجالات وقفية معاصرة في مجال التعليم والاعلام الإسلامي:
يمكن للوقف الاسهام في مشروعات تخدم التعليم والاعلام في المجتمعات الإسلامية منها :
1 انشاء قنوات تلفزيونية عن طريق اسهم وقفية تطرح على المسلمين القادرين.
2 انشاء صحف ومجلات اسلامية وقفية باللغات الحية.
3 انشاء جامعات اسلامية، ورعاية المعاهد والمدارس في كثير من دول العالم.
4 انشاء مكتبات وقفية يستفيد منها طلبة العلم والباحثون في المدن الكبيرة وكذلك انشاء مكتبات عامة في القرى والمدن الصغيرة.
5 انشاء دور نشر للكتاب الاسلامي، تقوم بنشر وتوزيع الكتاب على الحجاج والمعتمرين وكذلك في المدن والقرى.
6 انشاء موقع على شبكة المعلومات «الانترنت» يشتمل على دروس علمية لعلمائنا الاجلاء، وركن للفتوى، ويشتمل كذلك على بيان محاسن الدين الاسلامي ورد الشبهات عنه.
7 تكوين لجنة علمية للاشراف على النواحي العلمية والتعليمية في المجالات السابقة.
وختاماً اقترح انشاء ادارة في وكالة الاوقاف مهمتها بيان اهمية الوقف على مثل هذه المجالات العلمية والاعلامية لمن يريد المساهمة في الاوقاف الخيرية، وبيان اهمية نشر العلم ومحاربة الجهل ومساندة الدعوة والدعاة في انحاء العالم. على أن يتم التعريف بهذه الادارة عبر وسائل الاعلام المختلفة تسهيلا لمن يريد الاتصال بها.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
*مدير مركز الدعوة والارشاد بالمدينة المنورة
|