Friday 29th March,200210774العددالجمعة 15 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

لما هو آتلما هو آت
إرهاصات وعيّ قادم
د. خيرية إبراهيم السقاف

حدَّثوني عنها، وما كنت لأجد الوقت كي أطلَّ عليها، فما أصغيت، وزاد اللَّغط حولها، فما تحمَّست، كلُّ ذلك تقديراً لوقتي، وحرصاً على عدم تبديده في مهازل، أو تُرّهات، أو حتى فيما لا يُسمن أو يُغني..، وكان كلُّ ظَنِّي أن مجموعة من الشباب والشابات قد وجدوا في هذه الوسيلة سبيلاً للتعبير، ووسيلة للحوار، وتبادل الرأي، اعتقاداً بأنَّ ما سمعت لا يعطي أيَّ انطباع عن فكر، ولا عن رأي« علمي»، ولا عن موقف مدروس..
وتخيَّلْتُ مجلسين أحدهما تُلقى فيه دروس علم تكون محصَّلتها منفعة.. ويأتي عنها ما يُجدي، ومجلساً آخر يتحلَّق فيه من يتناول ما لَذَّ وطاب من القهوة والشاي وبذور الثِّمار مجففة مملَّحة أومحلاَّة، يبدِّد الوقت من فيه في الغيبة والنميمة، وتناول ما «هَبَّ» و«دَبَّ».. فأيُّهما أنفع لأن يرتاده المرء؟ وأيُّهما أنسب لمن يحرص على وقته؟؟..
كان هذا ما علمت من أخبار حوارات الساحات، وتبادل الحوارات الإنترنتية بين الشباب، مع الفصل بين أنواع منتديات العلم، ومواقع المعرفة.. وحوارات العقل، وتبادل وجهات النظر المعتدلة بحكمة ونضج، وبين سواها..
لكنَّ الفضول دعاني بعد أن علمتُ عن تناول هذه الساحات لقضايا المجتمع، وأفراد المجتمع أن أدسَّ أنفي كي أشُمَّ شيئاً من روائح هذه الحوارات، وألمَّ بشيءٍ من فكر المحاورين..، ووجدتهم يركبون أسنَّة الأسماء المستعارة تخفيّاً وراء فكر متسرِّع وأحكام مرتجلة، بأساليب هزيلة، ونظرة محدودة، ويجترئ بعضهم على بعض، ويتعرَّض بعضهم بعضاً، يطالون القريب والبعيد، ويجترئون على نوايا وعقائد بعض.. في حواراتهم روائح مظلمة للجهل، وفيها الشيء غير القليل من النَّميمة والبهتان.
لم يزدني هذا الاطلاع إلا ثقةً بأن هذه المرحلة سوف تكون بوتقة لصهر الوعي، ولردع التهوُّر، ولكبح النفوس الأمَّارة بالسوء، سوف تتمخَّص عن دروس في تربية الإنسان نفسه، عندما يواجه نفسه بحقيقة نفسه..
إنَّها مرحلة تمرُّ بها كافَّة المجتمعات البشريَّة، هي مرحلة «الخضّ» مثل خضِّ اللَّبن في الجراب..، وهي إرهاصة لوعي مستقبليّ شامل، ونضج أكيد..، ذلك لأنَّ الفرحة التي تعتمر نفوس الشباب بقدرتهم على الجلوس من خلف أزرّة جهاز ذي حدودٍ مساحيّة، وإمكانات تفوق تصوُّرهم، بل علمهم.. هو ما حدا بهم إلى الاندفاع نحو «الهرج»، والإفضاء.. دون كوابح من وعيّ، أو رادع من تفكير.. لذلك تجد أكثرهم يشاركون من باب «مع الخيل يا شقرا» وليس لهم «ناقة» فيما يقال ولا «جمل».
إن هذا الأمر مؤشر إلى ضرورة وضع أسس لبذور الوعي منذ النشأة الأولى ولعلَّها مهمَّة التعليم والتنشئة.. فما يقول الآباء، وما يقول المربُّون، أمام هذا الزخم الهادر في ساحات الإنترنت؟!
هدى الله الصغار والشباب..
ووفَّق الأولياء لحسن التوجيه
وأنزل من عنده هداية للجميع..
ووفَّق كلَّ عمل هدفه فائدة الإنسان.
لأن يخدم الإنسان، منذ بدء نشأة الإنسان..

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved