أتيح لي أن أزور مقاطعة «يونان» بالصين مع بعض الزملاء بالسفارة، وبعد أن حطت رحالنا في مدينة كونمن عاصمة المقاطعة، توجهنا عبر طريق سريع مميز الى مدينة «إي شي»، وهذا الطريق الحديث أحد الشواهد الكثيرة على التطور السريع والمتنامي في الصين، التي لم يقتصر نموها الاقتصادي على المدن الرئيسية فحسب بل يتعداه ليسير بخطوات هادئة نحو المناطق الأخرى متهادياً كما يتهادى الماء بين الزروع لريها، وفي ذات المساء كان محافظ المدينة في استقبالنا لتناول طعام العشاء عند منتصف الليل، وهي سابقة لم يعتد الصينيون عليها، حيث دأبوا على تناول الطعام في الساعة السادسة مساء غير أن كرم ضيافتهم وحسن خلقهم جعلهم يتجاوزون ما اعتادوا عليه.
وفي الصباح الباكر، رفعت ناظري الى السماء في يوم مشمس تبلغ درجة الحرارة فيه نحو عشرين درجة مئوية، ونسمات عليلة من الهواء تلامس وجنتي كأنها أنامل فتاة لم تبلغ ثمانية عشر ربيعاً، توجهت بعدها الى بعض اللقاءات طبقاً للبرامج المعدة سلفاً.
لقد كانت هذه المقاطعة التي يبلغ عدد سكانها نحو 43 مليون نسمة مجالاً للتنوع في كل شيء ففيها 26 قومية من أصل 56 قومية موجودة في الصين، وتشكل قومية هان ثلثي السكان، بينما يشكل المسلمون من قومية خوي القومية الثانية، حيث يبلغ عددهم ستمائة ألف نسمة يشتغلون بالزراعة والصناعة والتجارة، وقد كان نحو ثمانمائة ألف نسمة في عام 1853م أي أن عددهم قد يصل إلى عشرين مليوناً في الوقت الحاضر لو لم يتعرضوا للمذبحة الكبيرة في أواخر عهد «أسرة تشينغ» بعد انتفاضة دو ون شيو المشهورة، التي قادها المسلمون مع بعض القوميات الأخرى، وبعد فشل المحاولة تعرض المسلمون لمجازر فادحة لم ينج منها إلا أقل من 100 ألف مسلم فقط. والآن، وقد بلغ تعدادهم ستمائة ألف وبعد الانفتاح الذي تشهده الصين، فانهم أخذوا يعملون بالتجارة والاتصال مع العالم الخارجي في حرية تامة مما زاد من دخولهم، ولذا فإن في مدينة كومن مساجد واسعة حديثة من تبرعات المحسنين من أبناء المقاطعة.
اشتهر من أبناء المسلمين في هذه المقاطعة عدد غير قليل، فهناك شمس الدين الذي عين قبل ثمانمائة عام والياً على يونان، فحقق لها الاستقرار والسلام والازدهار، وظل أثره باقياً حتى الآن، وخلف خمسة عشر ابناً تولى بعضهم الولاية من بعده، مثل ناصر الدين، وفي العهد الحديث اشتهر محمد مكين العالم المشهور الذي ترجم معاني القرآن الكريم للغة الصينية، والأستاذ عبد الرحمن ناتسونغ الذي ألف وترجم أكثر من 20 كتاباً منها «التاريخ العربي العام» و «تاريخ الثقافة العربية والإسلامية» وغيرهم كثير.
ومن ضمن التنوع الجميل الذي يميز هذه المقاطعة ذلك التنوع المناخي الجذاب في مسافة محدودة جداً، فقد استمتعنا بالفصول الأربعة في يوم واحد وفي مسافة لا تزيد عن 10 كيلو مترات، فهناك الثلوج التي تغطي قمم الجبال، والجو المعتدل في السفوح، اضافة الى الجو الصيفي عندما يصل الارتفاع الى نحو 70 متراً فوق سطح البحر. وتتنوع النباتات في هذه المقاطعة حيث يوجد بها أكثر من 6700 نوع من النبات، ولذلك فهي تشتهر بالأدوية التقليدية، ويعتقد سكان هذه المقاطعة بفعالياتها في علاج كثير من الأمراض، كما أنها بيئة ممتازة لزراعة الزهور، وفي مدينة كونمن استمتعنا بندوة أدبية فلسفية أثناء حفل عشاء اقامه نائب حاكم المقاطعة انصب جله على العلاقة بين النفس والجسد ومقدار التناغم والتنافر بينهما، والأثر الظاهر لذلك على السلوك البشري، والصحة العامة، وكان لنا نصيب بزيارة جامعة يونان العريقة، التقينا فيها بعلماء أجلاء بقيادة الأستاذ المسلم/ قوي ممثل الحزب بالجامعة، وهناك التقينا ببعض العلماء المستشرقين، وطلاب وطالبات اللغة العربية، ورأيت فيهم حماساً منقطع النظير لمعرفة الكثير عن المملكة، وقد أوجزت لهم في عجالة ما تقدمه المملكة للحرمين الشريفين وللمسلمين عامة من خدمات، كما ألقيت الضوء على الوضع الاقتصادي في المملكة والعلاقات المميزة بين المملكة وجمهورية الصين الصديقة.
وفي مختبر للآثار، كان لقاؤنا مع عالم اكتشف لأول مرة في العالم بقايا لكائنات بحرية حيه متحجرة في أحد الجبال بالمقاطعة، والتي يقدر عمرها بما يزيد عن خمسمائة مليون سنة وقد رأيت تلك الكائنات المتحجرة بالمختبر الجامعي، وكان منظراً مبهراً، والأعجب من ذلك أنه قد ثبت لديهم ان هذه المخلوقات لم تكن نتيجة للتطور والنشوء كما يدعي داروين، بل هي قد جاءت بقدرة الخالق المدبر دون مرورها بمراحل النشوء مما يضيف دلالة أخرى على خطأ تلك النظرية الفاسدة.
|