أفاضت عيون يوم فقدك أم همى
من القطر ميزاب يصب من السما
أم الناس كل الناس قد أجمعوا على
بكائك في سيل من الدمع أُسجما
كسا الفقد إشراق الوجوه كآبةً
وناراً لظاها في الجوانح أضرما
ولا فقد تخشاه النفوس وتشتكي
إذا حل سقماً مبرحاً ومؤلما
سوى فقد من كانت شمائله ندىً
أناف، وعلماً لا يزال معظَّما
فأروى عقولاً من معين نقيةٍ
وأروى قلوباً من محبته ظِما
إذا قدر الرحمن خيراً لعبده
يفقهْهُ في الدين منه تكرُّما
أبا أنسٍ لولا المحبة لم تكِفّْ
عليك مآقٍ من محاجرها دما
ولم تصلَ نيران الفراق حشاشةٌ
يريش إليها حسنُ خلقك أسهما
عليك ذرفت الدمع والدمع آيةٌ
لما اختار في كنه المشاعر مجثما
وما ليَ لا أبكي فما عيب من بكى
تقيَّاً على عرش السماح تسنّما
عرفتك نبراساً يضيء بشاشةً
ويسفر ربعاً دون جودك مظلما
أناخ لديك الجود فانتظر الندى
فقيراً ومسكيناً لبابك يمّما
خلقت عطوفاً لا تني عن رفادة
ومن كان ذا عطف أفاض وأكرما
تواضعت فاستعليت عزّاً ورفعةً
وسابقت في عليا المنازل أنجما
أممت جموع الناس في خير بقعةٍ
ترتل آياتِ الكتاب ترنُّما
وناديت تحت البيت تخطب واعظاً
وبلّغت ميراث الرسول معلِّما
بنفسيَ ذاك الصوت ما أعذب الصدى
صداه وما أصمى نواه إذا رمى
أبا أنسٍ ما نصف شهر أشفَّني
وأيبس مني كل عرق وأسقما
سوى سدفة عظمى على القلب خيَّمت
وغشّى نظيري من قتامتها عمى
فلم تصطبح تلك القتامة بالذي
تمنيت لكن بالذي كان أشأما
ظللت بها حيران حيناً الى الرجا
أقاد وأحياناً الى اليأس مرغما
أُصبتَ .. فكان القلب من خوفه الردى
ضجيعك .. في قسم العناية نُوِّما
فواللّه ما فارقتَ عيني ساعةً
ولا القلب ، بل ذكراك ترفل فيهما
وكنتُ إذا عين الخلائق هوَّمت
وآوت الى جنب من العيش أهضما
دعوت إله الناس أن يكشف الذي
أصابك من داء أضر وآلما
هو اللّه حسبي لا يكون سوى الذي
أراد .. قضاءً للبرية ملزما
فلما أفلتَ اليوم عن صفحة الدنا
وغادرتها تشكو ظلاماً معَتّما
تضرعت للرحمن أن يجعل الذي
أصابك تكفيراً لذنب تقدما
وأن تسكن الفردوس في جنة العلا
وتلحق بالصحب الكرام منعَّما