Friday 29th March,200210774العددالجمعة 15 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

شخصيات قلقةشخصيات قلقة
ماكسويل (1831 1879م).. هذا الغريب الأطوار

جيمس كلارك ماكسويل اسكتلندي مات دون الخمسين، يعد أعظم فيزيائي في القرن التاسع عشر لأنه مهد بأبحاثه في الكهرباء والمغناطيسية لميلاد أعظم ثورة علمية شهدها القرن العشرين. كان والده محاميا لايزاول المهنة واكتفى بإدارة مزرعته الصغيرة، وفي تلك المزرعة تفتح عقل ماكسويل على السؤال وتعلم «فن» الفضول تجاه الظواهر والأشياء كان مغرما بآلات المزرعة ومغرما بالسؤال: كيف تعمل هذه الآلة يا أبي؟
شيئا فشيئا تشرب عن أبيه حب المسائل الميكانيكية واقترب الاثنان من بعضهما أكثر بعد الرحيل المفجع للأم اثر اصابتها بالسرطان. طفل وحيد في التاسعة وأب كهل وحولهما سياج من العزلة في مزرعة نائية طفل ليس له أصحاب سوى الصمت والتأمل والخيال وابتكار الألعاب والآلات.
إنه ماكسويل الذي التحق بالمدرسة فجأة ليصطدم بالجدران والنظام والتلقين والأفعال الشاذة في اللغة اليونانية وسخرية زملائه من ملابسه، كانت حقا ملابس غريبة يرتديها فتى غريب الأطوار، وكان والده يصر على أن تكون «صحية» بغض النظر عن مواصفات «الموضة» فأعد له حذاء مربع المقدمة وقميصا ذا شريط متعرج وغير ذلك من الملابس المضحكة.
كان على ماكسويل ان يتحدى السخرية والصرامة، وان يكشف عن إمارات النبوغ حتى ينال احترام الجميع وخلال ستة أعوام من الدراسة في أكاديمية أدنبرة نجح ماكسويل في أن يثبت تفوقه في الرياضيات حتى حصل على ميدالية الأكاديمية وحين التحق بالجامعة استمر في نبوغه العلمي مثلما استمر في غرابة أطواره، فكان يرتدي ملابس مختلفة عن الملابس الرسمية المنشاة، وحين يجلس إلى المائدة مع آخرين كان يبدو بعيداً عما يجري متغمسا في ملاحظة تأثير الضوء المنكسر خلال الزجاج، وما إلى ذلك، لا شيء يقطع شروده إلا إذا شعر بشيء يتحطم. لقد كان يرتاع ويصاب بالرعب من تحطم أي شيء مهما كان تافهاً.
آنذاك كانت له نظريات عجيبة شاعت بين أقرانه في الجامعة، مثل نظريته عن أفضل أوقات النوم، حيث اعتاد ان ينام من الخامسة بعد الظهر إلى التاسعة والنصف مساء، ثم يقرأ بغزارة من العاشرة إلى الثانية صباحا، وبعدها يقوم ببعض التمرينات الرياضية وخاصة الجري في الممرات وعلى السلالم من الثانية إلى الثانية والنصف صباحا ثم يعود إلى النوم مرة أخرى حتى السابعة صباحا هذا البرنامج الصاخب كان يزعج الكثير من زملائه سكان بيت الطلبة.
ولعل أطرف نظرية توصل إليها ماكسويل بجانب نظريته في النوم، مايتعلق بدراسته للطريقة التي تنزل بها القطة دائماً على أقدامها إذ أوضح ان القطة يمكنها ان تعيد نفسها إلى الوضع الطبيعي تماما حتى ولو أسقطت في وضع مقلوب!
يضاف إلى نظريته المرحة تلك ان ماكسويل كان يقرض الشعر، ليس عن الفتيات الحسان كعادة الشعراء، وإنما عن المادة والطاقة.. يقول في إحدى قصائده:
عندما تتجمد الأرض والشمس
وتندثر كل طاقاتها
سوف تتلاشى المادة في الأثير
هكذا كان شعره أشبه بقانون من قوانين الفيزياء الباردة، لكن شعره الجاف ونظرياته العجيبة وملابسه الغريبة ساهمت في رسم صورة مرحة لعالم شاب، ليس ثقيل الظل ولا منطويا على نفسه وإنما هو شخص مرح لطيف يشارك زملاءه في كامبردج كافة الأنشطة الاجتماعية والثقافية، ويتردد بين الفينة والأخرى على الجمعية الملكية لحضور اجتماعاتها العلمية.
وفي عام 1853 عانى ماكسويل آلام المرض الشديد حيث أصيب بنوع من الحمى المخية ألزمته الفراش عدة أسابيع وبقيت آثارها فترة طويلة، فكانت من الأوقات العصيبة في حياته كلها، وإن ظلت أسبابها مجهولة، وخرج من هذه المحنة أكثر ورعا وإيمانا. كما يحكى عنه أنه تقدم لإحدى المسابقات العلمية بكامبردج وحرارته مرتفعة للغاية فنصحه والده بلف بطانية حول قدميه تجنباً للبرد القارس، ورغم معاناته إلا أنه حصل على المركز الثاني في تلك المسابقة.
بعد تخرجه مكث عامين أستاذاً في ترينتي يدرس ويحاضر، وكانت فرصة حقيقية للاطلاع باستفاضة على آراء العالم فارادي في الكهربية، ثم عين أستاذاً لكرسي الفلسفة الطبيعية بكلية ماريشال بمدينة أبردين، حتى يكون بالقرب من والده الذي تدهورت صحته، لكن شاء القدر أن يرحل الأب قبل ان يتسلم ابنه الوحيد منصبه الجديد ببضعة أيام.
كانت الصدمة قاسية لكنها لم تؤثر على أبحاث ماكسويل المتنوعة في الفلك والجسيمات المتصادمة والغازات والحرارة النوعية كأنه يفتش في كل بحث جديد عن سلوى لوحدته القاتلة بعد ان فقد أبويه ولعل هذا ماجعله يفكر جديا في الزواج وأرسل إلى عمته كاي رسالة يقول فيها «أكتب إليك لأخبرك بأنني سوف أتخذ لي زوجة.. ولكن لاتخافي، إنها ليست متخصصة في الرياضيات، ولكنها تتصف بصفات أخرى، ومن المؤكد انها لن توقف جهودي».
اختار ماكسويل كاترين ماري ديوار ابنة عميد كلية ماريشال زوجاً له ورفيقة لدربه، قضى معها أسعد سنوات العمر كزوجين موفقين يستمتعان بالترحال والقراءة وركوب الخيل، كما كانت زوجته تساعده في بعض تجاربه العلمية. ولم تتأثر العلاقة بينهما بعدم الانجاب، بل ان هذا جعل ماكسويل ينذر نفسه تماما للعلم والأبحاث، فخصص الغرفة الفسيحة في الطابق العلوي لتجاربه وكان يوقد بها ناراً حتى في أشد أيام القيظ لكي يحافظ على درجة حرارة ثابتة، كما كان يضع غلايات فوق النار لكي يملأ بخارها الغرفة.
ورغم انقطاعه عن أبحاث الكهرباء بعض الشيء إلا انه عاد اليها فطور مفاهيم فارادي وأثبتها رياضيا بصورة قاطعة لايرقى إليها شك وكان أكثر مايخشاه ان يبتعد العالم عن الحقيقة نتيجة لوجود افتراض «مستحب»!
خلال عشرين عاما كاملة واصل ماكسويل تجاربه عن الكهربية والمغناطيسية حتى توصل إلى معادلاته الماكسويلية الشهيرة التي تصف سلوك المجال الكهربي المغناطيسي في الفضاء الخالي وتكلل هذا الكفاح بتأسيسه لكرسي الطبيعة التجريبية بكامبردج عام 1871م وأيضا كتب للطبعة التاسعة من الموسوعة البريطانية عدة مقالات مهمة عن الذرة والأثير والتجاذب وغيرها، ونشر كتيبا هاما عن «المادة والحركة».رغم هذا الكفاح العلمي احتفظ ماكسويل بروحه الاجتماعية المرحة وكتب إلى أحد أصدقائه يقول: «إن العمل والقراءة من الأشياء الطيبة ولكن الأصدقاء أفضل منهما» وكانت له تعليقاته المرحة والشهيرة في محاضراته العامة، ومنها تعليقه على اختراع التليفون بواسطة جراهام بيل حيث قال ماكسويل معلقا على التناسق العجيب بين أجزاء الجهاز «السلك في الوسط والتليفونان في نهايتي السلك، والثرثاران في طرفي التليفونين».
إن أحسن ميزات ماكسويل الفيزيائي العظيم هي ظرفه ولطفه وحنانه وإنسانيته وإنكاره لذاته، لدرجة أنه تلقى لنسيبه المريض الذي جاء إلى لندن للعلاج الطابق الأول من منزله وسكن في غرفة ضيقة بالطابق العلوي، وحين مرضت زوجته مرضا خطيرا امتد فترة طويلة أصر على أن يقوم بتمريضها بنفسه لدرجة أنه كان يظل عدة أيام بلا نوم إلى ان جاء عام 1877 فشعر ماكسويل بآلام خانقة عند البلع لكنه تجاهلها ولم يستشر أحداً إلا بعد عامين حين تدهورت صحته واضطر لاستدعاء طبيب.
لقد كان يخشى ان يظل راقدا ساكنا لمدة دقيقة واحدة، وكان شغله الشاغل مرض زوجته لامرضه، ولا يعي ان المرض الخبيث الذي أودى بحياة أمه يأكل جسمه شيئا فشيئا إلى ان رحل فجأة قبل ان يقف العالم على كفة أفكاره ومملكته العلمية الحافلة بالكشوف والعطاء وكتب طبيبه د. باجيت «لم أشاهد رجلا قابل الموت بمثل هذا الهدوء والوعي»!

شريف صالح

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved