تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بين كل حين وآخر بمنح الكيان الإسرائيلي هدية جديدة، في نفس الوقت الذي لا تزال فيه حكومة هذا الكيان تمارس العربدة في الأراضي الفلسطينية من سفك دماء المدنيين العزل في حملة تطهير عرقي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً..!!
آخر هذه الهداية هي زيارة السيدة هيلاري كلينتون العضو في مجلس الشيوخ الأمريكي التي وصلت إلى الكيان الإسرائيلي في زيارة تضامنية ونزلت ضيفة شرف على «مؤتمر الرؤساء» الذي يضم مسؤولي أبرز المنظمات اليهودية الأمريكية..!
فقد تفوقت هيلاري كلينتون زوجة الرئيس الديمقراطي الأمريكي السابق على عتاة المتطرفين الإسرائيليين وكالت اتهامات لا حصر لها للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بما في ذلك تحميله مسؤولية تصاعد العنف وفشل محادثات كامب ديفيد التي رعاها زوجها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، والذي لقبته صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية ب«الصهيوني الأخير»..! انظر لما قدمه للكيان الصهيوني ما لم يكن يحلم به اليهود منذ قيام إسرائيل حتى الآن..!!
وانتقدت هيلاري كلينتون بشدة الهجمات الفلسطينية وقالت انها «تقع على عاتق ياسر عرفات»، وزعمت «إننا نعرف ان ياسر عرفات يستغل الأطفال لارضاء مصالحه الذاتية ويشجعهم على السير في اتجاه القدس أناشيد الاستشهاد وينفث فيهم الحقد لليهود، ويدفعهم إلى ان يحقدوا بدلاً من ان يقبلوا إسرائيل». ولم توجه السيدة كلينتون أي انتقاد للفظائع التي ترتكبها إسرائيل يومياً بحق الفلسطينيين في كلمتها التي ألقتها أمام نحو مائة مسؤول يهودي قدموا من الولايات المتحدة.
انها نفسها هيلاري كلينتون التي استقبلها أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني بالهتاف وبعبارات الترحيب في ديسمبر 1998م عندما جاءت مع زوجها لحضور الغاء الميثاق الوطني الفلسطيني!!، التي بشر فيها كلينتون الفلسطينيون ب«دولة الأحلام».!! مرة أخرى يكون الدم الفلسطيني مؤشراً للانتخابات!.. شاهدنا ذلك في جميع الانتخابات الإسرائيلية السابقة، وهذه المرة نشاهده في تصريحات السيدة هيلاري التي يتوقع ان تصبح أول رئيسة «امرأة» للولايات المتحدة في الدورة القادمة..!
لقد كانت الخطوة الكبرى التي قفزت إليها هيلاري خوضها لانتخابات مجلس الشيوخ وخصوصاً عن ولاية نيويورك، ولربما لم تكن مصادفة ان تنطلق من أهم ولاية أمريكية تاريخاً ونفوذاً وتحدياً على أمل ان تفوز بهذا المقعد الهام الذي ربما سيضع لها مكانة سياسية كبيرة على خارطة الشؤون العامة الأمريكية.. ولا شك ان انطلاقتها من نيويورك وخوضها لانتخابات صعبة ومرهقة سيعطيها الخبرة والتمكن الذي تحتاجه للسنوات القادمة، حيث يدور بتفكيرها انها ربما تكون مرشحة عن الحزب الديموقراطي للرئاسة الأمريكية عام 2004م أو 2008م، وخصوصاً بعد ان تمكن بوش من الفوز على صديق العائلة آل جور، وهكذا فإن هيلاري بعد ان ساندت زوجها واسهمت في وصوله إلى البيت الأبيض وحققت له أحلامه، بدأت مغامرة أحلامها التي يجب ان يساهم هو بها معطياً كل التنازلات التي تحتاجها في سبيل ذلك.. ونيويورك هي المحطة الأولى وإذا نجحت تكون واشنطن هي المحطة الثانية.. وبعدها تبدأ رحلتها إلى البيت الأبيض هذه المرة ليست كسيدة أولى، بل كرئيسة للولايات المتحدة الأمريكية..!
كان تعلم ان وجودها السياسي في نيويورك يبدأ من استيعاب اللوبي اليهودي الصهيوني.. وان خوضها لانتخابات تلك الولاية وتحديداً تلك المدينة، سيضطرها إلى ان تعمل وتكرس جل وقتها وجهدها وتفكيرها في خدمة إسرائيل.. ولن يكتب لها النجاح أبداً إذا هي شاءت غير ذلك.
.. وهكذا فبعد قرارها خوض انتخابات نيويورك انقلبت الايديولوجية الهيلارية رأساً على عقب لتصب في مصالح إسرائيل العليا..!
عُرفت السيدة هيلاري انها في نظرتها للسياسة العالمية صديقة للعرب والمسلمين ومناصرة لحقوقهم، وكانت قد اعلنت في مايو 1998م انها تؤيد تأسيس دولة فلسطينية مستقلة مسؤولة عن العيش الكريم لكل مواطنيها. بل تحدثت بوضوح عن ميل متأصل في عائلتها لتقدير التراث العربي والإسلامي مدللة على ذلك بأن ابنتها الوحيدة اختارت عن سابق تصور وتصميم التخصص في الدراسات الإسلامية.
ولكن ما ان وجدت نفسها مرشحة في نيويورك انقلبت موازين تفكيرها وتحللت من مبادئها التي كانت لا تتردد في الإعلان عنها لصالح العدل والمساواة والحرية، وتذكرت ان الدخول إلى مجلس الشيوخ الأمريكي من باب نيويورك يعني اولا وقبل كل شيء ضمان رضا الناخب اليهودي، ومنذ ذلك الوقت والأخبار عن عراقة صلتها باليهودية تتوالى!..
فكما نشرت الصحف بمجرد تعيين مادلين اولبرايت وزيرة للخارجية الأمريكية انها يهودية من تشيكوسلوفاكيا، عمد أهلها لأسباب سياسية وأمنية إلى اخفاء هويتهم، تكرر ذلك مع هيلاري التي أذيع مؤخراً انها قريبة عن طريق جدتها لرجل من آل روزنبرغ وانها عرفت من طفولتها ماكس روزنبرغ، وربما كان اجتماعها مع اتحاد المجموعات اليهودية في نيويورك الذي يضم ويمثل «750» مجموعة يهودية هو تتويج لتحولها واستدارتها الكاملة «180 درجة» نحو تل ابيب ومصالحها الاستراتيجية، فقد تعهدت السيدة هيلاري بأنها ستبذل جهودها في داخل الكونجرس بعد ان تصبح عضوة به عن نيويورك، لتوحيد القدس تحت لواء اليهودية حتى تصبح عاصمة أبدية لإسرائيل..!
وأكدت ان دورها لن يقتصر على تهويد القدس واتخاذها عاصمة لإسرائيل وانما ستجعل الكونجرس يتخذ قراراً بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل ابيب العاصمة المؤقتة إلى القدس العاصمة الأبدية، من مواطن قناعتها بأن لليهود حقاً تاريخياً واضحاً وصريحاً في «أورشليم» لا ينازعها فيه أحد من الديانات السماوية المسيحية والإسلام على الرغم من انها أرض القداسات لهما.
هذا القول الانفعالي والمزور للحقائق التاريخية لجأت إليه هيلاري كلينتون لتحصد أصوات اليهود في نيويورك الذين يشكلون الأغلبية السكانية بها، ولهم من التأثير على غيرهم من سكان هذه الولاية لارتباط حياتهم ومعاشهم بالبيوت التجارية اليهودية مما يجعلهم يميلون حيث تميل الأغلبية اليهودية.
لقد قدمت كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة للأعضاء الذين حضروا هذا الاجتماع.. ابتداء من الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل وانتهاء بقرار انتقال السفارة الأمريكية إلى القدس.. ومروراً بقطع المساعدات الأمريكية للفلسطينيين إذا هم أعلنوا دولتهم المستقلة بدون إذن إسرائيل.. وغير ذلك من القضايا والمهمات التي انيطت بالشيخة هيلاري في مهمتها الجديدة كسفيرة إسرائيل لدى الكونجرس الأمريكي..!
وفي كلمة لها أمام «المجلس اليهودي الوطني الديموقراطي» قالت انه «علينا ألا نستسلم أبداً حتى يأتي ذلك اليوم الذي يخيم فيه السلام على الشرق الأوسط»، بل اضافت إلى ذلك انه حتى لو لم يتحقق السلام، فإن على الكونجرس الوفاء بالالتزامات الأمنية التي قطعها زوجها أثناء توقيعه اتفاق «واي بلانتيشن» مع الفلسطينيين.
وفي عشاء أقامته منظمة «حداسا» النسائية اليهودية بمناسبة مؤتمرها ال85 وتسلمت خلاله هيلاري جائزة إنسانية تقديراً لجهودها في حماية النساء والأطفال، قالت هيلاري أمام 2500 عضو صفقن لها طويلاً «اننا كلنا نتطلع إلى اليوم الذي ستصبح فيه القدس موطناً لسفارة الولايات المتحدة ودول أخرى، واعتبرت ان القدس توحدت بعد حرب العام 1967م وان ذلك يجب ألا يتغير، وبالفعل استطاعت ان تفوز بالمقعد عن ولاية نيويورك، ولتحقيق أحلامها المتبقية فما عليها إلا الاحتماء باللوبي اليهودي..!
والذي لم يكن يدركه العالم ان ترشيح هيلاري ولعبتها مع اليهود الأمريكيين قد أثراً كثيراً على سياسة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في الشرق الأوسط، فقد استطاعت هيلاري ان تمكن النفوذ الصهيوني من زوجها لفرض اتجاهات معينة على معادلة ومعاهدات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ولم يكن لزوج الشيخة هيلاري إلا ان يرضخ تماماً لمطالبها ما دامت تلك الاستجابات ستهيئ موقفاً أفضل لزوجته في حملتها الانتخابية.. وهذا ما حدث فعلاً فلم يتمكن الرئيس كلينتون من فرض متطلبات الحد الأدنى على الإسرائيليين لتفعيل معاهدات ومستحقات السلام في الشرق الأوسط.
اللافت ان هيلاري لم تعد تكتفي برفع الشعارات المؤيدة لإسرائيل فقط، بل انها أصبحت تحرص على تتبع آخر تطورات المطالب الإسرائيلية لتأييدها طازجة، من ذلك اجتماعها مع قادة المخابرات والجيش الإسرائيلي الذين عرضوا أمامها تقارير أمنية عن الوضع العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة..!!
السيدة هيلاري: ان تطلعاتك للانتخابات الأمريكية القادمة وحرصك الشديد على الصوت اليهودي في ايصالك إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة، لا يمكن ان تبنى على حساب شلال الدم الفلسطيني الذي أريق بصواريخ طائرات الاف 16 والاباتشي الأمريكية الصنع، ولا على حساب جماجم اطفال الفلسطينيين الذين سقطوا بالقنابل المسمارية التي أهدتها الإدارة الأمريكية إلى إسرائيل، ولا على جثث الفلسطينيين الذين سرقت أعضائهم الداخلية وداست الدبابات الإسرائيلية على رؤوسهم، ولا على الحواجز التي قطعت أوصال الوطن وعزلت مختلف تجمعاته السكانية وأراضيه، ولا على قصف المساجد ودور العبادة والمستشفيات وهدم البيوت واستخدام المواطنين الفلسطينيين دروعاً بشرية واعدام الجرحى وقتل الأجنة في بطون أمهاتهم وفرض الحصار الذي وصل إلى حد المجاعة.! المطلوب هو ان تتخلى قليلاً عن ذكائك «المفرط» وان تتوجهي بتصريحاتك إلى حكومة الحرب في إسرائيل لوقف أعمال القتل اليومي المنظم ضد الفلسطينيين بدلاً من تصريحاتك السابقة التي تعطي المبرر للقتلة للاستمرار في غيهم.!
كاتب وصحفي فلسطيني الرياض |