إن قناعتك بصحة قولهم أن لاجديد تحت الشمس تحتم عليك القناعة بأن لاقديم تحت السديم ايضا، فكل مافي الأمر أن القديم والجديد قد نجحا في اختبارات الازمان فاحتل مايسمى قديما الترتيب الاول واحتل الجديد الترتيب الثاني، خصوصا ان ماتسميه ماضيك كان مستقبلك ذات زمن تولى، وعليه ففي حال قبولك لفرضية ان الماضي كان ذات يوم مستقبلا، فمستقبلك الآن هو في الوقت نفسه ماضيك الذي سوف يكون، والمعنى هنا ان لاقديم ولا جديد، فالحياة كتابة زمنية ملتحمة ممتزجة متصلة.
حسنا اذا لم يكن هناك من قديم وليس ثمة من جديد ايضا، فمن المحتمل ان تطرح على نفسك سؤالا معقولا من قبيل: بماذا اذن نسمي القديم الذي قام في الامس وعثر اليوم، وبماذا نسمي ايضا الجديد الذي هو قائم الآن ليعثر غدا..؟! وهنا اقول: بإمكانك ان تطلق عليهما من الاسماء ماشئت، بل باستطاعتك ان تشتق اسميهما من لدن صيغة السؤال السابق، كأن (مثلا) تطلق على ماقام في الامس وعثر اليوم اسم (قائم/عاثر) بدلا من قديم، وتسمي ماقام مكانه (قائم الآن / عاثر غداً) بدلاً من جديد، فكما ترى فهذه تسميات (رهيبة!)، حقاً، فالعاثر قد ينهض، وثمة حالات تاريخية عديدة شهدت فيها الامم رجوعا الى ماضيها، اضافة الى ان القائم قد يعثر كذلك، وهناك على ذلك العديد من الشواهد التاريخية ايضا، إذن فالحل الوسط هو ماذكرته في المقالة (الجدِّية!) السابقة والمتمثل في فرضية ان لاقديم ولا جديد ألبتة، فكل طور سابق يدفع برحله وحمولته في (شنطة!) قطار الطور الذي يليه، وهنا نستطيع ان نقول ان العاثر (القديم) قد تعاضد مع القائم (الجديد)، وهنا اخذ قائم بيد عاثر، ليمتطيا معا متن قطار طورهما الزمني، فيجلس قائم خلف مقود هذا القطار، ويستقر عاثر في المقعد المجاور له (كمساعد قائد قطار)، فيغذَّا السير.. سفرا في دروب الحياة السفر..
إذن لاقديم ولا جديد ولا يحزنون، وإن لم تقتنع بقولي هذا فسوف أبدأ (من جديد!) حتى تقتنع تماما، وبالمناسبة إذا كنت تقول أن ماحدث في الماضي يمثل القديم وماحدث في الحاضر يمثل الجديد، إذن فقل لي ما الذي يمنحك الحق لتطلق على اسنانك لقب (جديدة) في الوقت الذي تعرف فيه ان فكيك العلوي والسفلي ايضا قديمان قدم روحك القديمة؟!
بل ماذا عن قصرك وطولك.. هل تتعامل مع اعضائك التي كانت قصيرة في صغرك بوصفها أجزاء قديمة منك ام جديدة؟ وماذا عن المسافات التي قطعتها هذه الاعضاء تمددا وطولا وانتفاخا (ماشاء الله؟!)، وهل هي جديدة ايضا؟... وبناء على ذلك فما هي فقرات (عمودك الفقري) القديمة وماهي فقراته الجديدة؟ بل ماذا عن (قصر) لسانك في طفولتك قبل ان تجيد النطق..؟ وهل كان قديما، ام هل ان لسانك القصير في طفولتك هو ذاته لسانك (الطويل!) الآن؟
بل دعنا نتحدث عن شعرك الذي كان هو اقرب الى الصلع حين قدمت الى الدنيا؟ فهل مانبت وطال من هذا الشعر بعد ذلك هو الجديد فقط؟ إذن فكيف تسمي شيئا بالجديد وبصيلاته أصلا (قديمة؟!) او لعلك تعبت وتكاد تصرخ بعبارة لا ادري؟.. ففي هذه الحال دعني اقول انا آسف فلم يتبق امامك الا سطران (جديدان!)، فدعك من الزعل فهو كما تعرف (دقة!) قديمة!، ومما يبدو فرأسك ليس بالقديم ولا الجديد بل إنه (يابس!)،.. وبما انك الآن في طريقك نحو انهاء قراءة المقالة، فدعني اقول لك بالفم الملآن الفاضي سابقا!.. شئت ام أبيت فلا جديد تحت الشمس.. لاقديم تحت السديم.. وحسب عادتي (القديمة!) دعني اختتم هذه المقالة بالقول اتمنى ان نلتقي من (جديد!) في القريب العاجل..
|