|
|
|
ما نسميه «حوار الحضارات» يسميه الغرب «صدام الحضارات»، ومن يقرأ كتاب «هنتنجتون» بهذا العنوان قد يتصور خطأ ان الغرب قد استبقنا إلى أفق أبعد في فهمه لإشكالية هذا العصر الذي أسقطت فيه وسائل الاتصال كل الحواجز الزمانية والمكانية بين الناس على اختلاف العرق والانتماء والعادات والتقاليد والحضارات والثقافة ودرجات الوعي، فرأى ان ذلك التواصل «العولمي» لا بد ان يتولّد عنه «حوار» يفضي لا محالة إلى كارثة «الصدام» الذي تجتاح فى أواره حضارات الشرق كل منجزات الحضارة الغربية أو العصرية وتطبعها بتوقيع شرقي.. هذا فهم خاطئ لموقف الغرب الذي يعتبر كتاب هنتنجتون التلخيص الرسمي له، أو الإشارة البليغة إليه، فهذا الرجل لا يؤسس رؤاه على منهجية دارسة وعارفة تستقصي الفرضيات وأطروحات الحوار المرتقب، ومن ثم تتشوّف النتائج مسبقاً فتحذر منها، وإنما يصدر عن عصبية منحازة ومذعورة، لا يتسع أمامها الوقت لتأمل قيم السلب والإيجاب في الاجتياح الكاسح فيمَ تعتقد فتبادر إلى الهجوم قبل ان تعجز عن الدفاع، عصبية تدرك رغم الجحود أنها قد أخذت عن الحضارات القديمة أهم ما أسست عليه حضارتها ولم يعد هناك ما تحتاج إليه منها، وأنها الآن قد أصبحت «المنتج» الأساسي والمصدّر الوحيد لصناعات الفكر كما لأدوات الاستهلاك لأسواقها الرهيبة في الشرق، وهي وضعية ترتاع لمجرد التفكير في إمكانية ان تهتز أقل الدرجات.. عصبية ليس لديها أدنى الاستعداد للدخول في أبسط أشكال «الحوار» وحين أطلق هذا الغرب دعوة «العولمة» الحضارية التي تزيح الهوية الوطنية لحساب الانتماء «الإنساني»، كان يقدم نفسه بكل وعود العولمة الاقتصادية التي تمني بالرخاء وتنتهي بالسيطرة وإحكام القبضة، وبكل الوعود السياسية في «النظام الجديد» بسلام واستقرار تم اتخاذهما ذريعة مشروعة لإبادة المسلمين في فلسطين وأفغانستان وغيرهما، بمباركة كل المحافل الدولية التي ترفض في تثاؤباتها ما لم تشجبه أو تدينه أو تحتج عليه في صوتها الجهير، ومن ثم فقد أصبح الغرب طرفاً في «حوار الحضارات» قد غيبه ضلال هذا الخوف!. |
![]()
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |