* واشنطن خدمة الجزيرة الصحفية:
بدأ وزير الخارجية كولين باول جولة في منطقة الشرق الأوسط في إحدى المحاولات العاجلة التي تتحدى وساطة أمريكا في صنع السلام في المنطقة وذلك منذ أيام الدبلوماسية المكوكية التي قام بها هنري كيسنجر في السبعينيات.
لم يغادر الوزير باول ومن معه في طائرته من مستشاريه حاملين تصورات تفاؤلية حول المهمة التي هم بصدد القيام بها والتي هي عبارة عن مشروع أمر به الرئيس بوش هدفه الواضح حفظ هيبته شخصيا بالإضافة إلى حفظ المصالح الاستراتيجية ووضع الولايات المتحدة الأمريكية عالميا وقال باول متحدثا إلى برنامج قابل الصحافة على قناة NBC الإخبارية: ستكون رحلة صعبة حيث انني لن أعود حاملا في يدي اتفاقية سلام لكن ذلك سيكون هدفي كي أحاول مساعدة كلا الطرفين على الخروج من الوضع المأساوي الذي وجدا نفسيهما فيه.
وبرغم ما تحدث به الوزير باول فإن التحديات أمامه أكبر، فلم تظهر إسرائيل أية إشارات تبدي أنها مبالية بدعواته وبدعوات السيد بوش للانسحاب الفوري من المناطق الفلسطينية التي احتلتها في الضفة الغربية ولا يزال يتعين على القادة الفلسطينيين إصدار الأوامر لإنهاء العنف الذي حفز على التحركات العسكرية الإسرائيلية.
لقد بنى باول سمعته وتأثيره العالميين على مر السنوات عبر استراتيجية متواصلة من عدم التفريط بمكتسباته السياسية، وببلوغه سن الخامسة والستين يوم الجمعةالقادم، فإن الدبلوماسي الأول في البلاد سيبدأ باستهلاك جزء كبير من رصيده الذي بدأ بجمع القسط الأبرز منه منذ عشر سنوات حين كان الجنرال الأعلى للبلاد في حرب الخليج.
لقد قام مسؤولون كبار في الإدارة برسم الخطوط العريضة لاستراتيجية الوزير باول الواضحة التي انعكست على رحلته التي بدأت بزيارة الحلفاء العرب الذين يذكرونه منذ أيام الحرب.
إنه يريد منهم زيادة الضغط على ياسر عرفات وعلى الفلسطينيين لإيقاف العمليات الفدائية التي أدت إلى هذه الإجراءات الإسرائيلية الانتقامية الواسعة.
بعد ذلك سيستخدم الوزير باول الاجتماع الذي سيعقده في مدريد مع وزراء الاتحاد الأوربي وأمين عام الأمم المحتدة كوفي عنان من أجل إقناع الحلفاء الذين عنفوا واشنطن لسكوتها إزاء ما يجري بأن الولايات المتحدة جادة في إيجاد حل سياسي للصراع العربي الإسرائيلي.
و يقول مساعدوه بأنه يتوقع أن يكون رئيس الوزراء آرييل شارون لدى وصوله في نهاية الأسبوع قد اتخذ خطوات واضحة لسحب القوات الإسرائيلية من المناطق الفلسطينية، وأن يكون السيد عرفات قد سيطر على العنف بما يكفي ليكون جديرا بمقابلة معه.
لقد اشتكى الفلسطينيون ودافع الإسرائيليون عن أن مدة الأسبوع الفاصلة بين إعلان السيد بوش لقيام الوزير باول برحلة إلى المنطقة ووصوله سيعطي إسرائيل مزيدا من الوقت لمواصلة عملياتها العسكرية لكن مسؤولي الإدارة أكدوا أن ليس لديهم نية بذلك.
وحين قام الوزير باول والمسؤولون الآخرون بإجراء الحلقات الأسبوعية التي تبث يوم الأحد على التلفاز قال الوزير بأنه قد أوضح للسيد شارون عبر مكالمة هاتفية ذاك الصباح بأن السيد بوش يريد من إسرائيل أن تنسحب بدون تأخير أي الآن.
وقال في حديث لبرنامج أخبار فوكس إن الرئيس لايعطي أوامر لرئيس وزراء دولة أخرى ذات سيادة ولكن بحسب كون الولايات المتحدة إحدى أقرب الدول صداقة لإسرائيل فإنني أعتقد بأن رئيس الوزراء شارون قد تأثر بالرسالة التي وجهها له الرئيس بوش وفهمها بوضوح.
وقال الوزير باول بأن الرئيس بوش في محادثته التلفونية التي أجراها مع السيد شارون يوم الأحد لم يتحدث عن وقت نهائي محدد. وقال باول أيضا ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس في حديث لبرنامج النسخة الأخيرة على شبكة الCNN: إنه يتفهم بأنه لا يمكن أن يكون الانسحاب اعتباطيا وفوضويا لكنه يتوقع بالتأكيد أن يبدأ هذا الانسحاب.
هذه هي الرحلة الثالثة بالنسبة للوزير باول إلى الشرق الأوسط منذ أن تولى منصبه، ولكنها الأكثر تعقيدا.
يقول ستيفن .ب. كوهين أحد علماء المنتدى السياسي الإسرائيلي: إن ملف القضية العربية الإسرائيلية بكل ما يحويه من عقبات كان دوما ملف باول، إلا أنه كان ثانويا لدى الإدارة ولم يروه رئيسيا مقارنة مع أهداف الإدارة الرئيسية في المنطقة أولا عند تركيزهم على العراق وبعد ذلك على الحرب ضد الإرهاب، والآن هذه هي مهمة الرئيس بوش ويتوجب عليهم أن يرسموا طريقهم الخاص للمضي إلى ما وراء مجرد إيقاف العنف لأن الرئيس قال سنقوم بحل هذا الصراع وهذا يعني أن لباول مستوى مختلفا من المسؤولية لأنه قام في الواقع بتصميم استراتيجية ستكون طريقة هذه الإدارة في فهم الموضوع.
لقد قام باول بالتوجه إلى مكان الصراع لسبب وحيد مهيمن وهو أن رئيسه طلب منه ذلك من أجل أهداف الإدارة الاستراتيجية الواسعة، ولأن استقرار المنطقة برمته واقع تحت التهديد.
ولكن حتى الأسبوع الماضي، كان الوزير باول، وهو الرجل الأكثر ولاء في طاقم الإدارة ينأى بنفسه عن القيام برحلة مكوكية بين الفلسطينيين والإسرائيليين كي يسمع شكاوى كل من الطرفين دون أن تلوح إمكانية التقدم وذلك خدمة لرئيس لم يأخذ هذه القضية ضمن أولوياته.
ويقول المسؤولون الآن بأن الإدارة مصممة ليس فقط على التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وإنما على التحرك بالسرعة الممكنة نحو نقاشات سياسية أوسع وقال مسؤول رفيع في الإدارة بأن ليس ثمة استعداد لطرح خطة بوش من أجل حل شامل للقضايا الشائكة.
ويقول المسؤول: لا توجد مثل هذه الخطة بعد فنحن لسنا بصدد بحث الإجابة عن السؤال: وماذا عن القدس؟ وهذا يعني أننا في خضم المشكلة بكلتا قدمينا بكل ما يحمله الأمر من صعوبة فهو يستعصي الآن على أي حل.
ويقول الأصدقاء بأن الوزير باول واع تماما للأخطار التي تكتنف هذه الرحلة فقد عاد آخر مسؤول كبير زار المنطقة وهو نائب الرئيس ديك تشيني وليس في جعبته الكثير لأن كلا من طرفي النزاع يدعي أنه تشيني يبدي اهتماما بالنزاع فيما بينهم غالبا لحشد التأييد لعمل أمريكي ضد العراق.
يقول كينيث ديوبرشتاين الصديق المقرب لباول الذي كان وزيرا للخارجية في عهد الرئيس ريغين: يعلم كولين مقدار صعوبة أمر كهذا علاوة على صعوبة الوضع في المنطقة.
ولهذا السبب بالذات قال وزير الخارجية باول عبر شبكة أخبار فوكس: إذا استطعنا إيقاف إطلاق النار وشرعنا ببناء حوار مجددا بين الطرفين فإن رحلتي ستكون جديرة بالطاقة التي سأودعها إياها.
كريستيان ساينس مونيتور خاص |