Thursday 11th April,200210787العددالخميس 28 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

لما هو آت لما هو آت
لكِ وحدكِ (87)
د. خيرية إبراهيم السقاف

ما الذي يمكنني أن أبوح به اللَّحظة بين يديكِ، وقد كنتِ حدَّثْتِني قبلاً... وكشفتِ لي عن سطور الأيام...، وأجلستِني على حافَّة نهرها...، وسألتِني أن أقرأها مرة، وأتمعَّن فيها مرات، وأشرب منها في أُخر...، وأُصدقْكِ القول إنِّي فعلتُ، وفعلتُ...، وفعلتُ... لكنَّني لم أقوَ على مكابدة الشوق فيَّ لأنْ أحفر لي نهراً، وأجري فيه كلَّ قطرة سقطت من مسامِّ تجاربي، وكلِّ لمحة جاءت بها إليَّ مارقات الزمن، وأن أجعل له ضفَّات وليس ضفَّتين، وأمنح كلَّ العابرين بوصلات الوصول إليه...، فما الذي لا يجعلني ذات نهر...، وذات ضفَّات؟
وكيف لا أفعل وكلُّ ما أعطيتِني لا يذهب في الهواء؟... أنتِ من حفرتِ النهر، وأنتِ من أسقيتِهِ، وأنتِ من سألتِني أن أرفع راية العبور إليه...
اللَّحظة أتملّى هذا النهر، وهو يمتد...، تتسلَّل روافده إلى كلِّ شراييني، وأوردتي، كي ترتوي منها، وكي تتغذَّى...، لاأزال يا نوَّارة ثريَّةْ...، ثريَّةْ، لم أفرغ من كلِّ ثرائكِ...، ولكن...؛
الأوراق تراكمتْ، وأقدام الزمن لا تزال تَعبُر...، تبصم فوقها... تترك شيئاً منها، والوقت لم يعد يسمح بقراءة كلِّ بصمة مارةٍ فالزمن يا نوَّارة ليس هوائياً يعْبر، إنّه محمَّلٌ بثقل ما فيه، لذا تأتي بصماته ذات تفاصيل، تملأ الصفحات، تدون كلَّ مساحة فيها، والناس يا نوَّارة اعتادت أن ترقب حيِّز المكان، ولا تعبأ بحيِّز الزمان، تتعامل معه في كلِّه، ولا تتعامل معه في تفاصيله، تشعر به في شكل الساعة منه، واليوم، والأسبوع، والشهر، والعام، ولا تشعر به في حجم الثَّانية منه، والدقيقة، فالثواني، والدقائق، ولحظات الزمان بالغة الأهمية، مليئة ثرية لا تَعْبر إلاَّ وقد كوَّنت اليوم وما يليه...،
هذه الأوراق الزمنية يا نوَّارة، حَمَلْتُها بثقلها، غَسَلْتُها في مياه نهري، أسقيتُه من أحبارها، حوَّلتُ أوراقها طحالب امتزجَت به، غذَّت ما فيه، جلستُ إلى النهر... شاهدْتُه قد انتشى، صهلل بريقاً، تمطىَّ سعادة، رهجت صفحات مياهه طرباً وفرحاً، لم تقوَ عليها مسحة الأحزان وهي تكلِّلُ وجهه في الليالي الصامتة، ذلك لأنَّني تعاهدْتْ معه، أن يمنح الآخرين في وضح النور كلَّ الفرح، والثراء، وأن يعمِّرهم بالعطاء والمِنَح ما يجعلهم في رضاء، ويدع صمته، وحزنه، وتفاصيل الألم لصمت الليل...، ولجوفه الذي يخزِّن فيه لمحة الدمعة، وشهقة الأنين، وزفرة الأسى...، فالناس لا تحتمل الكثير من الأحزان، ذلك لأنَّها تعيشها تفاصيل في لحظاتها...
هذه الأوراق يا نوَّارة تمنحكِ المزيد من الثقة في أنَّ كلَّ شيء يسير في هدوء، لكنَّ الهدوء يصخب في حيِّز الزمان، بمثل ما يستقر الضجيج في حيِّز المكان...
علَّمتْنا بصمات الزمن كيف ومتى يكون للكلمة فوق الشفاه معنى مغاير لها وهي تستقر في الآذان، فكيف وهي خلف الشفاه؟... كما علمتْنا أنْ لا حقيقة في حقيقة كثير ممَّا يقوله الإنسان...،
الشيء الوحيد يا نوَّارة الذي أكّده الزمن في صدر دفتره، وبصم به في كلِّ خاتمة... هو أنَّ الإنسان يظلُّ في كلِّ أمكنته، وأزمنته، الذي لا يقول الحقيقة، لذلك فهو لا يفعلها... إنّه يمارس لعبة البقاء فوق أسلاك الحياة، يتنقل في أدواره كما يفعل لاعب السيرك. إنَّه بكلِّ وضوح الممثِّل الرئيس «لكوميديا» الواقع...، وهو لم يكن جادّاً حتى في الإفضاء لنفسه بحقيقة نفسه...
أتدرين يا نوَّارة أنَّ هذه الحقيقة تتمثَّل في عشرات من علامات السؤال، يتفاهم بها كثير من الناس مع بعضهم من خاصتهم، فكيف إذن يفعلون مع عامَّة من حولهم؟...
وماذا بعد يا نوَّارة كي أقولَ ممَّا أنتِ قد قلتِ، ومِمَّا أنتِ قد تعلمين؟...
قرأتُ فوق صفحةٍ مائيةٍ من صفحات نهري عنواناً شدَّني كثيراً، بحثتُ في دفتر عناوين النهر عن موقعه، واتجهتُ إليه، أبحرتُ في النهر بطوله وعرضه، بعمقه وكثافته... لا تعلمين كم أذهلني، وهو نهري، كم أخافني بما فيه، وكم أسعدني بما فيه، وفي رحلة البحث عن الصفحات تحت ذلك العنوان، وجدتُها...، تصفَّحتُها بلهفة، وفرح، وكانت بصمات الزمن لأناسه، بعض من أناسه، ولأنّها مكتوبة بأيديهم، مسجلة عنهم... لا تعلمين كم شاكتني أسنة بصماتهم، وكم وخزني ألم شديد من ذلك...، لم يكن سوى صوت الزمن ممزوجاً بماء النهر... صُبّ في كلِّ نقطة استماع وحس فيَّ... «هكذا هو الإنسان يا سيدتي» كان الصوت الممزوج للزمن والنهر يقول لي...، ألا تعلمين أنَّ الإنسان لا يقول الحقيقة؟... وعندما تسفر أمامه، وتتعرى أمام نفسه لا يجد ما يقول سوى أن يرصف أمام عينيكِ علامات الاستفهام كي يهرب من أكذوبته، إلى أكذوبة أن تصدِّقيه...، هذا هو إنسان الحياة... فلا تتحملي عبءَ البحث، ولا فرحة الوصول، ولا تُثقلي عليكِ بوهم الإنسان...
قفلتُ دفتر العنوان، وعدتُ من إبحاري في جوف النهر...، استلقيتُ قليلاً أتملَّى فيما كنتِ يا نوَّارة تسألينني أن أتملىَّ فيه، وذهبتُ مع شيء ممَّا سألتِني أن أتفكرُ فيه... وبسطتُ للنهر كفيَّ...، وأخذتُ أغتسل ممِّا علق بي من رحلة البحث وراء وهم الحقيقة في وجود طيف لإنسان يصدق، أو لإنسان لا يقول غير الحقيقة...
فهل هذا الذي كنتِ يا نوَّارة تريدينني أن أقرأه في حيِّز تفاصيل اللحظات؟
أم لا يزال هناك عبث طفولي وراء ارتهاجات السؤال؟.
ربَّما ذات يوم يفضي إليَّ النهر في غسق المساءات.
فأكونُ معكِ أحدِّثكِ..!

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved