Thursday 11th April,200210787العددالخميس 28 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

بين انقطاع الهواء والكهرباء وبين بريق الحجر بين انقطاع الهواء والكهرباء وبين بريق الحجر
د.فوزية أبو خالد

يبدو ان على الكُتاب العرب أو من لايزال منهم محسوباً على الأحياء ان ينضموا الى الخبراء العرب والوزراء العرب و«الفراشين» العرب وعلى الأخص سعاة المعاملات في القطاعات الحكومية المختلفة من قطاع الاعاشة التبلغي الى قطاع الاعلام البلاغي في النوب وشق الجيوب ان بقى أثواب غير الأكفان بأن سبب ازدهار البطالة بين الشباب العربي وتخلف الخدمات التعليمية والصحية وانقطاع الماء والهواء والكهرباء إنما يرجع الى استنزاف الصراع العربي الاسرائيلي لموادر الأمة المالية والمعنوية سواء بتكديس الأسلحة في مخازن وزارات الدفاع أو بتكاليف انعقاد القمم العربية وما يسبقها ويلحقها من لقاءات وزارية تمهيدية أو تشيعية.
هذا بالطبع دون ان ينسى أي منا تبني الادعاء العتيد المعتاد كما يلحق باقتصادنا العربي من خراب بسبب ما تستنزفه توترات القضية الفلسطينية من كميات حبر محيطية في محاولاتنا الفاشلة لغسل خجلنا من انتفاضاتها الجارحة التي لا تكف عن فضح قرحنا المعوية المزمنة أمام معسكر الاصدعاء.
فهذه الزوايا الصحفية والمقالات والتحليلات والأعمدة للأسبوع السابع على التوالي منذ بدء الحصار والتدمير الاسرائيلي العسكري، ليس لأصحابها من اهتمام بالشؤون المحلية أو الشجون العربية غير شاغل ستر عورات عجزنا العربي العام بكتابات انشائية عن الانتفاضة كتابات. كتابات.. كتابات. كتابات تُعلن الاذعان وكتابات تدعي العصيان وكتابات تحاول ان تحتمي من انكسارات الكرامة بمكر الكتابة أو نصف الكلام . ولكنها كلها، كلها بدون استثناء كتابات ليس لها قيمة تذكر في «هش» الذباب الأزرق المتجمع على أجساد المدنيين في حي الياسمين بنابلس.كما أن ليس لأي منها قيمة تُذكر في طرد جحافل الجراد المتكالب على وجوه الأطفال المجدولة بالفجيعة والذهول بمخيم جنين، فهيهات.. هيهات ان يكون لهذه الكتابات وزن جناح بعوضة في التأثير على القرار السياسي العربي فيما يخص المواقف الرسمية من إعادة ترسيم قدر المنطقة السياسي والجغرافي والمستقبلي باسم الاستجابة الايجابية المحببة لمشاريع السلم الأمريكي الاسرائيلي التي أقلها خطورة وفي المدى المنظور وحسب يقضي بايقاف حق المقاومة من أجل الاستقلال وبانتزاع اعترافات تحت سطوة السلاح وتهديدات أخرى بشرعية استمرار استعمار اسرائيل الاستيطاني للقدس والأراضي الفلسطينية الأخرى.
وفي بعض ما تقدم وبينما كنتُ غارقة الى ما فوق رمانة الكتف كأي كاتب عربي مصاب بكل أصناف العصاب والوسواس القهري، أشطب وأسود كتابات مرتبكة على أنها قد لا تريح الضمير فإنها تفلح تماما في استفزاز الرقيب، وصلتني بالبريد الالكتروني رسالتان من صديقتين خلتهما بعيدتين عن اهتماماتي السوداوية بالسياسة.
الرسالة الأولى كانت من صديقتي الدنماركية «تشارلوت» وفيها تخبرني بفخر الاخبار التي تناقلتها فيما بعد وكالات الأنباء عن استدعاء وزارة الخارجية في كوبنهاجن للسفير الإسرائيلي ومساءلته عن تعرض سيارات الصليب الأحمر لنيران الجيش الإسرائيلي وعرقلته المتعمدة لوصول المساعدات الطبية للجرحى الفلسطينيين. كما تخبرني بمظاهرات احتجاجية قامت في بلادها ضد الوحشية الاسرائيلية بل إن العزيزة «تشارلوت» المغرمة أصلا بالأدب العربي دون ان تستطيع قراءته في لغته الأصلية لا تتورع ان تسألني ببراءة لا تخلو من فضول معرفي غير بريء لماذا تتميز مظاهرات الشارع العربي عن نظيراتها في الشارع الأوروبي بمشاهد إشهار رشاشات الماء والغاز وعيارات معبأة بذخيرة حية في وجوه المتظاهرين. أما الرسالة الالكترونية الثانية التي تشهد بالبعد الأخلاقي والانساني للقضية العربية فقد وصلتني من صديقتي «روزلين» الجاميكية الأصل الكندية الجنسية وفيها تخبرني أيضا بزهو لم تظهره وكالات الأنباء عندما تناقلت الخبر عن المظاهرة التي قامت في أوتاوا يوم الأحد الماضي حيث تجمهر حوالي 2000 شخص كانت روزلين واحدة منهم عند السفارة الأمريكية احتجاجاًً على التذبيح الاسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين بعد ان كانوا قد انطلقوا من عند البرلمان احتجاجاً على موقف كندا ضد ارسال ماري روبنسون مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الانسان للتحقيق في انتهاكات اسرائيل لحقوق الانسان على الأراضي الفلسطينية.هذا وفيما كنتُ في وقت لاحق غارقة الى صدغي في تصفح صفحات لا تحصى من الدم الغالي المراق من عروق الشهداء والحبر المتجمد في عروق الكُتاب يقع بصري على خبر عن «عزم» الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وذلك في اطار خطة العمل «العاجلة» التي أقرها وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم «الهام» الأخير يوم السبت الماضي البدء باجراء اتصالات دولية «مكثفة» نظراً لعدم امتثال إسرائيل لقرارات مجلس الأمن الأخير وعدم تجاوبها مع مبادرات السلام العربية «الأخيرة» وهدف هذه الاتصالات «العاجلة» و«الهامة» و«المكثفة» كما جاء في الخبر هو حث مجلس الأمن على تنفيذ القرار القاضي بالتزام اسرائيل بالانسحاب والأهم من هذا الهدف أو الذي لا يقل عنه أهمية وانتفاخاً في المطالب العربية للمجتمع الدولي هو حث الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوات عملية للضغط على إسرائيل ومن بينها تجميد التعاون العلمي والتكنولوجي واتفاقيات الشراكة معها.وحين أصل الى هذا الجزء من الأهداف النبيلة والعاجلة للجامعة العربية ووزراء الخارجية العرب يصعق سمعي الصمت القيادي العربي حيال قلة الحيلة في الضغط على إسرائيل حتى بأقل مما تطالب به المجتمع الدولي، وتتجسد في التصريحين اليتيمين اللذين ولدا شبه ميتين على شفاه أصحابهما كالقول «بالعزم» على قطع العلاقات «غير الدبلوماسية مع إسرائيل» والقول الآخر ان علاقات التطبيع مع اسرائيل «قد تتأثر» إذا استمر اجتياحها الوحشي للأراضي الفلسطينية.. وعندما أصل الى هذه النقطة الصاعقة أقفل التلفزيون والانترنت والكمبيوتر واغرق كالعالم العربي في ظلام دامس لا يضيء فيه إلا بريق الدمع في العيون أو التماعات الحجر.
هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved