مناهجنا وضرورة تطويرها، قضية كتب فيها الكثير، المتخصص وغير المتخصص، الهاضم للقضية والمتطفل البعيد عن الميدان والقريب وتكاد تكون مادة جاهزة لأهل الرأي والشورى والحل والعقد، وما زالت الكتابات والمقابلات والتصريحات تنهال من كل حدب وصوب وبآراء متباينة ومتعددة ويصل بعضها إلى حالات من التعصب والاتهام، وكلي ثقة أنها بأيد أمينة تنطلق من سياسة عليا واضحة مثالية ثابتة لن تحيد عنها مهما قيل وكتب ومهما حصل من تطوير ولله الحمد والمنة.ينادي التربويون وغيرهم بأن تبنى المناهج كل المناهج بطريقة تخدم عملية التفكير والحركة والحيوية في واقع المتعلم حاضراً ومستقبلاً إذ يجب أن يكون المتعلم داخل البيئة التعليمية حياً متوقد الذهن والفكر والتفكير، والتحليل والربط والتجربة والتطبيق وفيما بعد البيئة التعليمية يجب أن يكون الطالب جاهزاً لدخول معترك الحياة في حاضره إن احتاج وفي مستقبله إذا انتهى من حضوره في البيئة التعليمية وبدأ بالعمل.
ومرتكز هذا المطلب المثالي أن يكون المنهج مثالياً إذن لا بأس من تطويرها، بل يجب أن تطور، والبعض يركز على منهاج التربية الإسلامية فتراه يطالب بظاهر قضيتها وهو أن تكون مناهج التربية الإسلامية معدة بطريقة تناسب النشء.. وعدد منهم يركز على المضمون وهو تناسبها مع أهداف رسالة الإسلام كل بحسبه من مراحل التعليم، ووصلت تلك الكتابات إلى إبراز عدد من الأوصاف والأحكام عن مناهج التربية الإسلامية القائمة في بلدنا الحبيب وتسببت بانطباعات سيئة عنها كتسببها بالجمود والخمول والبعد عن تنمية التفكير وبعدها عن خدمة الطالب في مستقبله العملي بطريق مباشر وغير مباشر وما أدري من المستفيد من نشر الانطباعات السيئة المتطرفة بحكمها عن إنجازاتنا في أكثر من مكان ذات الأصول الخالدة. والحقيقة أن مناهج التربية الإسلامية مليئة بما يدعم التفكير والبحث والتحليل والاستقراء والنظرة من حولنا، بل بالفكر الذي ننادي به في أكثر من قضية ومجال مهني كشرف المهنة والكسب بأي عمل ولو بالاحتطاب كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم، أو مجال آخر بالصحة والوقاية والأمثلة تتزاحم.وهناك دليل بعيد المدى على قوة مناهج التربية الإسلامية هو أن أهل التربية والتعليم استفادوا في مجال التدريس والتربية وطرقها وطرق التعامل وطرق الحوار والجذب والحيوية والحركة والوسائل التعليمية من مادة واحدة من مواد التربية الإسلامية (الحديث الشريف)، بل إن أساليب الجذب والاختصار ميزة عرفت عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. وتدارس المناهج الإسلامية الحالية يثري اللغة ومفرداتها ويساعد على فهمها بشكل واسع والمصيبة في جاهل هذا.. ولن آتي على كل صغيرة وكبيرة في إثبات أثرها على التربية والتعليم ذاتهما، ولا على كل صور استثمارها في دعم التفكير فقط أذكر أمثلة معدودة وسريعة وعامة مجملة:
1/ علم التجويد من أهم العلوم التي تحرك الذهن إذ ينمي مهارة غائبة عن ذهن عدد من التربويين وهي دقة الملاحظة ومن يكون خاملاً في ملاحظته الكلمات والأحكام وتتبعها من خلال كلمات القرآن الكريم ومن ثم يطبقها حال قراءته وبسرعة لن يجيد القراءة وسيكون فكره أكثر خمولاً.
والملاحظ غياب هذه المادة فيما بعد مرحلة الابتدائية وغياب استثمارها والتركيز عليها عند فئة من المعلمين.
2/ مصطلح الحديث ومعرفة الرجال والرواة والصحيح والضعيف علم كبير لن يفهمه الأغبياء مهما كان لهم من مال وجاه ولا بد عند فهمه من إعمال التفكير في كل كلماته سواء عند دراسته أو تطبيقه على ساحة الأحاديث الشريفة بدليل قلة العلماء البارزين فيه.
3/ علم الفرائض الذي اتعب المعلمين في فهمه وإدراكه لن يفهمه إلا الفطن الذكي الذي يعمل التفكير عند كل كلمة يقرأها في كتبه، وقمة قوته تظهر في معرفة مصدره (ثلاث آيات كريمات وبضعة أحاديث وآثار).
4/ موضوعات الزكاة في الفقه لا يفهمها إلا الذكي الفطن والتي تفوق مسائل (س وص) في الرياضيات في واقعيتها، هذا الباب الكبير الذي كثر الحديث عنه (بنت لبون وما أدراك) أفضل بكثير من مسائل الرياضيات البعيدة عن المواقع ولا غرو في كونها من أركان الإسلام الخمسة.
5/ موضوعات المعاملات والعبادات أيضاً ومسائل الربا وغيرها في الفقه من أبرز مواضيع الذكاء لو كنا أذكياء والحيوية لو كنا أحياء.
6/ مواضيع السلوك الإسلامية من أهم ما يحتاجه الطالب هناك الزواج والطلاق والعلاقات الجنسية وحديث الإسلام عنها من أهم المواضيع التي نحتاجها في عصر المشاكل والأوبئة ومن الأمور الدقيقة سبق القرآن الطب إلى أبراز أهمية الحيض من الولادة وهو موضوع نحيي به الإيمان لو عرفنا كيف نعرض المواضيع على الطلبة والأمثلة تتشاجر في ذاكرتي، ولو أجرينا اختباراً على عدد من الطلبة لاستخراج ما يسمى وجه الدلالة من أدلة الفقه والتي تعتبر من صلب المادة لأثبتنا العجب العجاب وهو مجال واحد فريد من مجالات تشغيل التفكير من خلالها، ومادة الفقه من أبرز العلوم المناسبة لجميع فئات الطلبة وهي تدعم عملية التفكير بشكل كبير لو أتقن عرضها على الطلبة وتفنن المطورون بإخراج منهاجها وطريقة اختباراتها وأسئلتها وطريقة عرضها بعد أن يستفيدوا من طرق علماء أصول الفقه في فهم النصوص ودلالتها، وطرق الحوار والوسيلة من علماء الحديث وأصول الأدلة، وقدوتنا في التعليم والتربية محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وبالمناسبة أصول الفقه للأذكياء فقط لذا لا يمنع من تقريب المسائل لعقول الناشئة.في الميدان تجارب يمكن البحث عنها كمن يستخدم القصة في أسئلة الفقه والتوحيد بحيث يقدم أمثة حية لما يدرس من أحكام ومسائل بدلاً من الكلام النظري ومثاله سافر محمد وسامي في تاريخ كذا وكانا ينويان الرجوع في تاريخ كذا وذهبا لصديقهما خالد ولما جاءت صلاة العصر صلى محمد وسامي وكان الإمام خالد. هل يقصر محمد وسامي وكذلك ما الحكم لو كان الإمام سامي ماذا يفعل خالد، ومثل هذه القصص تجعل الطالب يعمل تفكيره ويطبق قواعد الأحكام التي درسها وبالتالي يخدم نفسه عند حاجته لمثل هذه الأحكام ويعمل تفكيره ويطور ذهنه.قرأنا لمن يلمح إلى ضرورة حذف موضوع الحج في الفقه. سبحان الله. ان موضوع الحج موضوع مناسب جداً وتدريسه ضروري من عدة نواح أهمها معرفة التاريخ الإسلامي ومظاهره ومعرفة وطنه وما فيه من معالم إسلامية مهمة ولعلي أذكر القارىء المهتم فيتحفنا في فوائد ذلك. وما يلزم في نظري هو ضرورة التقديم والتأخير لبعض المواضيع فقط مع تغيير أهداف المواد وتدريسها بطريقة تكاملية مدروسة وزيادة المواضيع التي تهم الشباب.والسؤال ما السبيل لاستثمار مواد التربية الإسلامية الموجودة؟ السبيل يتضح عند مراجعة أسباب ومصادر الخمول وواقع الأنشطة المساعدة وواقع التعليم ووضع المعلم وطريقة إعداد المنهج، وخطة الاعداد والعرض وخمول المعلم الماثل أمام الطلبة والمعلمين الجادين والسؤال الثاني أين الدليل والبرهان على جمودها وبعدها عن تنمية التفكير؟ والسؤال الثالث لماذا هذا العرض عن قضية مناهج التربية الإسلامية، والجواب هذا العرض حتي لا يتشرب المتلقون خبر التطوير إنها لا تدعو ولا تدعم التفكير وبالذات إذا ركزنا على أنه سبب للتطوير، والسؤال الرابع أين مصادر الخمول والجواب مصادر الخمول كثيرة ذكرتها آنفاً ومنها لائحة تقويم الطالب إذ يلاحظ المعلم المهتم أن الطلبة في الفصل الدراسي الأول في قمة الحيوية والحوار وفي الفصل الدراسي الثاني ينعكس الوضع بعد ضمان النجاح كما يعتقد بعضهم ويضطر المعلم إلى استحباب أسلوب الإلقاء والتلقين لما يرى من معوقات وتجاوزات وأحد الحلول أن يكون للمعلم درجة يقوم بها الطالب داخل الصف تساوي ما خصص للطالب من درجات في أعمال السنة والاختبار ثم تجمع من بعض وتقسم على اثنين مع ضرورة منع إعلان درجات الطالب الذي تكثر الشكوى منه من قبل معلميه وهناك يضمن المعلم استمرارية الحوار والحيوية داخل البيئة التعليمية لمن خلفه ولا يستطيع أحد تشويه سمعة مناهج التربية الإسلامية بعدها. وفي الختام ينبغي أن يصدر قرار من وزارة المعارف بمنع انتقاد المناهج بشكل عام في الصحف إلا بدليل وبرهان مع ذكر الكتاب والصفحة ووجه الخطأ والإفراز المتوقع حصوله بدليله والدعوى ما لم يقم عليها أصحابها دليل ادعياء وحتى نمنع شهادة الزور التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم وغضب منها. والله الموفق.
شاكر بن صالح السليم /لدمام |