لا أحد ينكر دور المباحث العامة في حفظ أمن هذه البلاد. وانجازاتها على مدى تاريخها تتحدث عنها. يكفيها فخراً أن «تسجيل الجرائم ضد مجهول» عبارة لا تعرفها قواميسها، بينما هي عبارة تكتظ بها سجلات الدول الأخرى. وهذا التاريخ الممتلىء بالانجازات يبتدأ حسب ذاكرتي منذ أن قبضوا على ستة عشر مفجراً في بدايات حكم الملك فيصل رحمه الله، ومروراً بمفجري الحج، وبتفجير العليا، والخبر، وانتهاء بالأجانب مرتكبي تفجيرات الرياض والشرقية، وقضايا أخرى غيرها. وهذا - بكل المقاييس - ليس فخراً لها فحسب، وإنما لنا جميعاً. هذه حقيقة لا يمكن أن نتجاوزها بحال..
ولكن، هذا لا يمنعنا من انتقادها، إذا أخطأ بعض كوادرها، أو إذا استغلت هذه الكوادر انتماءها في تخويف الناس وارهابهم بتعجرف. وللحقيقة أقول: ان هذا ما يعاني منه بعض من المواطنين، ويخشون التبليغ خوفاً من المباحث. وهناك الكثير من أحاديث الناس، والاشاعات التي تدور حول هذا «الثلم» في المباحث تحديداً، والذي لابد من معالجته.
ولكيلا يقال انني أروج إشاعة، أو اكتب دونما مستنداً، فهذا ما حصل لي، وهو مثبت بالوثائق الرسمية لدى حرس الحدود في ميناء جدة الاسلامي بتاريخ 26/رمضان/1422هـ.
كنت أثناء موسم الحج الفائت على وشك السفر بحراً الى السودان، لممارسة احدى هواياتي وهي الصيد. وعند دخولي الى صالة المغادرة في ميناء جدة، هالني ما رأيت. الناس كالسردين في العلب، وتذمر الحجاج من القذارة تلقاك في كل زاوية، ولا مبالاة السلطات في الميناء فوق أن تحتمل. تجولت بنظري أبحث عن أي مسؤول ينظم هذا الكم الهائل من البشر، فلم أجد أحداً!.
طبعا هذا الوضع المزري استفزني، واستفز شعوري الوطني؛ ولاسيما أنني أعتقد ان الحفاظ على سمعة هذه البلاد ومظهرها أمانة مناطة بكل سعودي وليس المسؤولون فقط. ولأنني أدرك تماماً أن أولي الأمر في هذه البلاد، يعتبرون خدمة الحجيج وراحتهم وتسهيل حجهم أو عمرتهم، هو تشريف قبل أن يكون تكليفاً، خصنا الله به كسعوديين، أردت أن التقط صوراً لهذا المكان العام، والذي ليس - إطلاقاً- منشأة أمنية، أو عسكرية، بهدف الكتابة عنه، ووضعه أمام نظر المسؤولين للتحقيق في هذا المظهر القميء. وكان اصراري على التصوير من منطلق أن من رأى ليس كمن سمع أو قرأ..
وفجأة، تقدم اليَّ شخص مدني، ودون أن يبرز ما يثبت هويته، بادرني قائلا، وبخشم مرفوع، مكتظ بالسلطوية: معك «فلان» مباحث!. أجبته: أي خدمة؟. قال: التصوير هنا ممنوع، ويجب أن تسلم لي الكاميرا. قلت: كيف تريدني أن أتعامل معك وليس هناك ما يثبت أنك تابع لأي سلطة أمنية؟. هذا أولا. ثانياً: المباحث سلطة سرية، عملها ليس مباشرة الضبط الأمني مع الجمهور، ولكن الرقابة على الأمن، والتأكد من أن الأوضاع الأمنية تسير على ما يرام. لذلك كان الأحرى أن تطلب من الشرطة أو حرس الحدود معالجة الموضوع، لكي أتعامل مع انسان أعرف انه يمثل سلطة رسمية، وليس إنساناً بلا أية هوية أمنية. أصر على موقفه، وأصررت على موقفي، وتجمهر الناس، فاضطر أخيراً الى استدعاء فرد من حرس الحدود، وطلب منه التعامل مع القضية، التي انتهت بأن سلمت الفيلم الذي يحتوي على الصور الى حرس الحدود، الذين كان تعاملهم معي للأمانة في منتهى الأدب والحضارية.
أضع هذه الحادثة التي تحمل الكثير من الدلالات أمام المسؤولين في المباحث العامة، وكذلك المسؤولون في المؤسسة العامة للموانىء، آملاً أن تتم معالجتها، ولاسيما ان التذمر من «قف معك المباحث» يخشى أن يتلبسها رجل المباحث الحقيقي، وغير الحقيقي للأسف، طالما أن اثبات الهوية غير ملزم لرجال المباحث.
|