توارثت الأجيال آثار الألم، وما تركته المآسي من ندبات الجروح، في آماق الأمهات، وآهات الثكالى
تفتح الباب الزجاجي وتشعر ببرودة التكييف، أمامك حين تخطو لوحة تزدان بصور تعلو الكاونتر، تعلن عن طلبك للموظف الذي يرتدي ملابس رسمية تحمل شعار المكان، تسمع أصوات ضغط على أزرار جهاز ماكينة المحاسب، تناوله الريالات وبعد لحظات تمسك بصينية بلاستيكية مليئة بطعام مغلف بأوراق ملونة وأخرى في علب كرتونية.. مرحباً بكم في مطاعم الوجبات السريعة.
هذا التقليد الذي أصبح روتيناً يقوم البعض بأدائه كل يوم ربما، جزء من برنامج يومي، وقد يصل إلى أن يكون عادة وقاعدة أساسية لاتنازل عنها مثل أن تفرش أسنانك كل يوم أو أن تتوقف عند الإشارة المرورية الحمراء، شيئاً فشيئاً أصبح تناول وجبة البرجر تقليداً شعبياً وجزءاً من ثقافتنا. قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت، هذه مقولة شائعة، لكن هل تعرف حقيقة ماذا تأكل؟ لا نستطيع إنكار أننا نتناول الوجبات السريعة لأنها شهية، لكن ما يجهله الكثيرون هو أن هذه الوجبات خليط معدٌّ بعناية واحترافية من كيميائيات مشهية منحت«البطاطس المقلية» ذلك المذاق الرائع، ويجهلون أيضا الطريقة التي يتم بها إعداد لحم البرجر في المسالخ.
ما دفعني لكتابة هذا الموضوع هو القلق الذي أحدثه كتاب نشر العام الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية لصحفي اسمه«إيريك سكلوسر» عن الجانب المظلم من الأطعمة التي تقدم في مطاعم الوجبات السريعة هذا الكتاب أحدث ضجة كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكية التي أقلقها الأمر، فتسعون بالمئة من أطفال أمريكا يأكلون في تلك المطاعم كل شهر، وينفق الأمريكيون على تلك الوجبات أكثر مما ينفقون على التعليم العالي وعلى أجهزة الكمبيوتر الشخصيةوأكثر مما ينفقونه على السيارات الجديدة. تبدأ حكاية الوجبات السريعة المرعبة من تغذية الأبقار التي يستفاد من لحومها لتقديم الهامبرجر الشهير، فقبل سنوات قليلة فقط منعت المزارع من تقديم أغذية للأبقار يدخل في مكوناتها بقايا حيوانات نافقة، وكيف أن لسيطرة مطاعم الوجبات السريعة العملاقة أن تحدث تغييراً جذرياً في صناعة اللحوم في أمريكا بصفتها المشتري الأول الذي يبحث في الغالب عن العرض الأرخص يقابله تنازلات لانهائية من المزارعين عن الجودة في سبيل نيل رضا المطاعم.
تعتمد تلك المطاعم في المقام الأول على مصنعي النكهات وهي شركات كبرى تحظى بتعاقدات بمليارات الدولارات من المطاعم من أجل تصنيع تركيبة كيميائية تعطي نكهة مميزة لتلك الأغذية المعالجة من دجاج وهامبرجر وحتى«الميلك شيك» أو ما نسمية مخفوق الحليب، هدفها ليس فقط المذاق الذي لا يقاوم، بل تغطية أي عيب في التصنيع أو في الخامات«دجاج ولحم».
أنا قلق على الأطفال في ظل الترويج الساحر لأطمعة الوجبات السريعة المشبعة بالدهون، أحد الأسباب الرئيسية للسمنة بين أطفالنا، وقلق من انعدام أي محاولات للتوعية بمخاطر تلك الدهون التي تتشبع بها البطاطس المقلية في تلك المطاعم، وقد توقفت لأترحم على وضعنا وأقرأ سورة الفاتحة عندما قرأت هذه المعلومات إذا كانت هذه الحال في بلد كالولايات المتحدة تحكمها أنظمة وقوانين صحية صارمة بفضل وجود هيئة FDA التي تراقب كل ما يتعلق بصحة المجتمع بميزانية سنوية قدرت العام الماضي6 مليارات من الريالات لرعاية برامج مراقبة الأغذية والأدوية فكيف بحالنا نحن؟
لا أحد يقف ضد إنشاء هيئة وطنية متخصصة للدواء والغذاء بالمملكة تشرف على المواصفات بكل ما يستورد وينتج من أغذية بمكونات بسيطة، إلى ما يستحضر من أدوية في الصيدليات بمكونات معقدة، كل ما يقدم من وجبات في المطاعم، المزروعات واللحوم، درجات الإشعاع ونسب المبيدات للمزروعات، لا أحد يقف ضد أن تمارس هيئة بهذه المهمة الحيوية عملها، لكن الجميع يستغرب لماذا تأخرنا في القرار.
الأمن والسلامة في أغذيتنا وأدويتنا، صحة المجتمع وصحة أجيال قادمة في ظل التنامي الخطير للأوبئة والأمراض الناتجة عن الأغذية، وفي ظل التناول الخاطىء في التعامل مع المنتجات الغذائية بإضافتها الغامضة وفي طرق الحفظ والتوزيع.
يثير هذا الكتاب عن مطاعم الوجبات السريعة قلقنا على الأطعمة، وقلقنا على المستقبل.
|