أكتب هذا الموضوع ذا العنوان الطويل كليالينا في الأسابيع الأخيرة بناء على إلحاح احدى زميلاتي.
ففي كل لحظة من لحظات البث الفضائي الدائر على مدار الأربع والعشرين ساعة منذ ان أعلنت أمريكا حربها على الارهاب وربطتها بمسألة الهوية الحضارية للمجتمعات العربية والاسلامية، ومنذ أن شدت اسرائيل ظهرها بهذه الحرب الأمريكية وشددت قبضتها على المدنيين الفلسطينيين بما أنتج مجزرة جنين وتوج الحصار بالاجتياح الوحشي لقرى ومدن الضفة الغربية بفلسطين والعالم العربي والاسلامي يسأل بإلحاح أما من بدائل لدينا لمواجهة الاستهداف الإرهابي للمنطقة غير الشجب والمتابعة السالبة للقنوات.
هناك طبعا حملة التبرعات التي تبنتها بعض الدول العربية والاسلامية لمساندة الشعب الفلسطيني في محنته ومنها مجتمعنا السعودي الذي تبنى حملة التبرعات بحماس وسخاء من قمة القيادة الى مدارس الأطفال.
ولكن في نظر البعض ان هذه التبرعات الحالية ومهما ارتفعت قيمتها الشرائية لا تشتري للشعب المحاصر سلاحا يحميه غائلة مواجهة جبروت الجيش الاسرائيلي وآلية السلاح الأمريكي بصدور عارية.
وبالتالي فإن فعالية التبرعات الحالية لا تتعدى وظيفة ترميم ما تخلفه المذابح الإسرائيلية، وفي أحسن الأحوال فإن هذه التبرعات بحسب أصحاب هذا الرأي لا تؤدي الى أكثر من تحسين الأحوال المعيشية للأسر الفلسطينية تحسينا طفيفا لا يحوجهم الى طهو الحجارة والمقاومة بها في نفس الوقت.
ومع ان هذا الهدف هدف نبيل بحد ذاته بما أن التبرعات تمد الفلسطينيين بما يتبلغون به لشحن طاقاتهم الجسدية على الأقل لتقديم مزيد من الشهداء في سبيل استقلالهم عن الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، إلا ان مثل هذا الهدف لا يستجيب في رأي من يرون هذا الرأي لطبيعة المرحلة الحاسمة من النضال الفلسطيني إذ إنه لا يتعدى الدور الذي كانت تقوم به وكالة غوث اللاجئين بعد الاقتلاع الأول للفلسطينيين عن أرضهم عام 48 عندما كان الفلسطينيون لا يزالون يعاملون كقضية لاجئين، ولم تكن المقاومة من أجل انتزاع حقهم المشروع في اقامة وطن لهم ولو على جزء من أرضهم قد تحولت الى حالة استنفار عام يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني نساء ورجالا وأطفالا صبح مساء.
هناك طبعاً أطروحة المقاطعة الشعبية للمنتجات الأمريكية لموقف أمريكا المنحاز ضد حقوق الشعب الفلسطيني ولمصالح الاحتلال الاسرائيلي، وكذلك مقاطعة الشركات الصهيونية التي قد تتستر خلف علامات تجارية للشركات العابرة للقارات، ومع ان ليس هناك على حد علمي حكومة تستطيع ان تمنع شعبها من اتخاذ موقف المقاطعة هذا إلا أن هناك أسئلة كثيرة تثار من قبل البعض عن جدوى هذه المقاطعة في عالم عولمة القهر على حد تعبير الاقتصادي المصري جلال أمين وهو بالطبع لا يناقش موضوع المقاطعة، وإنما يشير الى ضراوة المواجهة. على ان من يثيرون الأسئلة حول عدم فعالية المقاطعة على المدى القصير يكرسون العجز في عدم قدرة الشعوب على كسر شوكة عولمة القهر، فهذه المقاطعة وإن لم يكن لها نتائج جاهزة قد تخرب الاقتصاد الأمريكي على المدى البعيد كما يأمل الطوباويون منا فإنها على أقل تقدير تعطي المواطن العادي مثلي ومثل السواد الأعظم الاحساس بالقدرة على إضاءة شمعة في آخر النفق الذي لا يعلم غير الله منتهاه بدل الاكتفاء بلعن الظلام دون الكف عن المشي معصوبي العيون في غياهبه.
وهناك وهذا مقترح زميلتي العزيزة التي كتبت هذه المقال استجابة لرأيها فيه وهو ما يمكن تسميته مقاطعة السفر الصيفي لأمريكا وأوروبا خاصة تلك الدول التي يمنعها عمى الألوان العنصري من رؤية الدم الفلسطيني مسفوحاً على الكاميرات بمخالب النازية الاسرائيلية.
فعلى الطيور الصيفية المهاجرة على حد تعبير زميلتي إما ان تغير اتجاه هجرتها الى الدول العربية والاسلامية وتتنازل عن ملذات ذوقها الغربي في مواصفات المنتجعات أو تتمسك بتراب أرضها وتمتنع عن السفر ولو لصيفية واحدة حداداً على أرواح الشهداء.
وبهذا في رأي الزميلة نحفظ كرامتنا من الاهانات على الهوية من اللحظة التي «نطب» فيها المطارات، كما نشارك إخواننا الفلسطينيين حر الحصار وزمهريره بأن ببساطة ندير سياج الحصار على الآخر يذوق نكهة ما يذيقنا من ذل التهم على الهوية وملاحقات أطفال لا يمتشقون غير أدوات اللعب. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.
|