لم يحدث في التاريخ الإنساني أن نجح مجتمع بشري في تأمين حاجاته وكمالياته كما نجحت مجتمعات عصرنا الحاضر.
فالفتوحات العلمية والتقنية والثورات المعلوماتية والاستغلال الواسع لموارد البر والبحر والجو مكّنت الانسان من توفير سلع وخدمات بكميات هائلة.
بَيْدَ أنه مما يؤسف له أنه نتيجة للإفلاس الروحي قام كثير من الناس بإحلال الشهوات وأصناف المتع محل السعادة القلبية والإشراق الروحي.
فتحوّل الانسان المعاصر الى مستهلك وصار رفع مستوى المعيشة هدف الحياة الأكبر، وأصبحت الحياة تتمحور حول مزيد من العمل من أجل مزيد من الإنتاج من أجل مزيد من الاستهلاك من أجل مزيد من المتعة. ودور الدعاية والإعلانات في هذا المجال كبير، حيث فتحت شهية الانسان المعاصر للاستهلاك والتبذير وتبديد الموارد والثروات.
تذكر بعض الإحصاءات مثلاً أنه تمّ إنفاق نحو 84 مليار دولار في الدعاية والإعلان عن السلع والخدمات في عام واحد فقط!!
يقول د. عبدالكريم بكّار في كتابه الرائع«عصرنا ملامحه وأوضاعه»: يؤسفني القول إن فن الدعاية لدينا يسير باتجاه النمط الغربي، مع أنها تؤثر تأثيراً مباشراً في حجم الادخار الوطني.
لقد كان الناس على مدار التاريخ الانساني ينتجون ما يحتاجون إلى استهلاكه من أجل إبقاء مسيرة الحياة مستمرة، بَيْدَ أن الذي أحدثته الفلسفة الرأسمالية وأدبياتها وطيوفها النفسية والفكرية، هو الرغبة في الاستهلاك من أجل الاستهلاك!!
إنّ جنون الاستهلاك والتبذير غير المنضبط والإسراف الشديد في المنتجات، أدى إلى تسارع نضوب موارد المعادن والطاقة غير المتجددة.
كما أدى ذلك الى تلويث هائل للهواء والماء وانتشرت بسبب التلوث الأمراض الخطيرة، ولو قُدِّر لسكان الهند والصين مثلاً أن يسلكوا المسلك الاستهلاكي الذي يسلكه الغرب ولاسيما أمريكا لاختنق العالم في بضع سنوات.
ومما يؤسف له أن العالم الإسلامي يسير في الطريق نفسه الذي تسير فيه الدول الصناعية من استهلاك وتبذير وإسراف.
بل إننا قد تجاوزنا نمط المعيشة الغربية في بعض الجوانب، مثل ما يُنفق على الحفلات والمناسبات والولائم، ومثل ما يتم استهلاكه من قبل كثير من النساء على شراء الثياب والحُلي وأدوات الزينة.
وكأن الناس أو غالبيتهم غافلون عن النصوص الشرعية التي تدعو إلى ترشيد الإنفاق والتنفير من الإسراف والتبذير.
بل إنه ليس ثمة مسوّغ مقبول لانجراف المسلمين نحو التسابق على إرواء حاجات الجسد والمتع الدنيوية والله سبحانه وتعالى سائل كل انسان عما استخلفه فيه من مال.
ومع ذلك كله، يبقى السؤال المهمّ:
مَنْ المسؤول عن جنون الاستهلاك، المدمِّر لكل قيم إنسانية وآداب سلوكية وأخلاق فاضلة مَنْ المسؤول؟!!.
|