Friday 3rd May,200210809العددالجمعة 20 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

كندا والنظام العالمي الجديد كندا والنظام العالمي الجديد
جون لويد

في فترة ولاية جورج بوش الاب، حين تداعت أركان الإمبراطورية السوفييتية، وتلاشى العالم ثنائي القطبية الذي كان يحدد أفقه السياسي، طرح بوش مصطلحا مازال قيد التداول منذ ذلك الوقت. إذ تحدث بوش عن أن «نظاماً عالمياً جديداً» آخذ في الظهور منذ ذلك الوقت.
في بداية القرن العشرين، بدا قسم كبير من العالم آمنا، وإمبراطوريا، وملأت دول مثل فرنسا وبلجيكا والبرتغال وعلى رأسها جميعا بريطانيا العظمى مساحات كبيرة على الخرائط بألوانها الإمبراطورية. أما البلدان التي لم تكن إمبراطوريات مثل ألمانيا وفيما بعد إيطاليا، فقد وجدت في قصورها ذاك حافزا شرعيا للحرب، و قد ألقى السياسي الليبرالي جوزيف تشامبرلين خطابا في بيرمنغهام عام 1904 أشار فيه إلى أن عهد الشعوب الصغيرة قد ولَّى، وأن عهد الإمبراطوريات قد حل.
بعد ذلك بثلاثة عقود ونصف أشار ابنه رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين إلى ضم ألمانيا بلاد السوديت (في تشيكوسلوفاكيا) وكان ذلك من أبرز مقدمات نشوب الحرب العالمية الثانية باعتباره شجارا في مكان بعيد بين شعوب لا نعرف عنها شيئا.
وبعد انهيار التحالف المناهض للفاشية بين الديموقراطية والشيوعية كان النموذج الذي ساد عالم ما بعد الحرب هو الحرب الباردة، وقد شهدت عقودها الأربعة مليارات الدولارات تصب في اتجاه انتاج السلاح الذي كان بمقدوره أن يقضي على العالم، (ولا تزال هذه الأسلحة معنا). وسمحت للدولة الشمولية العظمى التي كانت وهي الاتحاد السوفياتي، بضبط شعوبها وحلفائها من الأشقاء، وشرعت إطاحة الحكومات والموافقة على الدكتاتورية في كلا الجانبين.
إذا كنا نشعر بالحنين في بعض الأحيان إلى الاستقرار آنذاك، فإننا لا نستطيع أن ننسى ذلك الخليط من الآمال المجمدة والتقدم المجهض الذي تطلبته، لقد تداعى كل شيء في نهاية الثمانينات، الامر الذي دفع جورج بوش الأب، وفي غمرة مثالية حقيقية لأن يرى نظاما عالميا جديدا تحتل فيه حقوق الإنسان مكانة راقية، منذ ذلك الوقت، لم نر إلا بصيصا مما قد يعنيه ذلك المصطلح: لم يظهر أي نظام. وانتهاء الانقسام الجديد الذي أجبر القوى العظمى على تقسيم الجميع إلى أصدقاء أو أعداء، نجح في إظهار أن العالم مليء بالدول والمناطق التي تنتمي إلى حقب مختلفة.
إن العالم الرقمي والمتصل ببعضه الذي نعيش فيه نحن مواطنو أمريكا الشمالية وأوروبا يعيش في حيز نظن فيه أن الديموقراطية آمنة في مكانها، وحيث الحرب ما بين الدول الغنية والديموقراطية غير ممكنة خارج ملاعب الرياضة، ولكننا نعيش جنبا إلى جنب مع دول قد تتعثر في طريقها الاقتصادي مثل الأرجنتين، وأولئك الذين يكادون لا يوجدون مثل رواندا وطاجيكستان، إن أي نظام نوجده مرتبط اليوم بعمل ضمن عالم واحد، والأمم الغنية والقادرة ملزمة على إيجاد مؤسسات لها.
وإحدى هذه المؤسسات بدأت في الظهور الرسمي في وقت مبكر من هذا الشهر: الجرائم الدولية التي صادقت على إنشائها أكثر من 60 دولة نادت بإيجادها، وتعنى هذه المحكمة بمحاكمة جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة بحق الإنسانية الإرهاب الذي جعلته الحرب العالمية الثانية مألوفا لنا، والذي استمر منذ الحرب الباردة في سيراليون ورواندا وشمال العراق والبوسنة وكوسوفو ناهيك عن حروب التمرد عديمة الرحمة في الشيشان وسريلانكا.
لا يمكننا العودة إلى نيفيل شامبرلين في استجابتنا، فمن غير الممكن سياسيا أن نقول الآن إننا لا نعرف شيئا، لأن وسائل الإعلام تصر على أننا يمكن أن نعرف الكثير، لذا فإن ضمائر حكامنا غير مرتاحة، يعلمون أنهم فعلوا القليل لوقف القتل.
في وقت سابق من الشهر الماضي أنحى تقرير للحكومة الهولندية باللائمة على سياسييها ودبلوماسييها وعسكرييها لفشلهم في منع ذبح 7 آلاف بوسني مسلم في سربرينيتشا عام 1995 عندما كانت البلدة تحت حماية قوات حفظ السلام الهولندية. وقد ذكرت تقارير أن فيم كوك رئيس الوزراء الهولندي آنذاك والآن، قرأ التقرير والدموع في عينيه، واصفا الحادثة على أنها أكثر فصول حياته السياسية سوادا.
إن هذا بعيد عن السيد شامبرلين، فقد بدأنا نسير في طريق المسؤولية عن مآسي شعوب لا نزال لا نعرف عنها سوى القليل، ولكن حكامنا، ونخبنا يشعرون بالمسؤولية تجاههم.
ومن بين هؤلاء الذين يقومون بالتشجيع كندا، والكنديون يشعرون بالضيق من الصورة المشوشة وغير الواضحة لكندا في العالم، لكنها إن لم تستطع الوصول إلى مصاف القوى العظمى مثل جارتها الجنوبية، أو إلى الإشراقة الخابئة لقوى أوروبا القديمة فإن لها عملة دولية تروِّجها.
كان السياسيون والرسميون الكنديون هم الذين صاغوا معاهدة الألغام الأرضية الدولية، وكان الجيش الكندي هو الذي قدم مساهمات هامة في صفوف قوات حفظ السلام في العقود القليلة الماضية. وكان رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان ومن بعده وزير الخارجية لويد آكسوورثي هما اللذان قاما بتبني تقرير الأمم المتحدة الصادر حديثا مسؤولية الحماية وهو أقصى ما توصلت إليه الجهود الدولية لوضع الحد الذي تخسر عنده الدولة الحق في حماية السيادة. انها تخسره يقول التقرير، حين تتخلف الدولة عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها، أو أسوأ من ذلك، عندما تشن الحرب على بعضهم، ويقول التقرير إن تغيرا ملحوظا بل تاريخيا قد طرأ في العقد أو العقدين الماضيين: ما من أحد مستعد للدفاع عن المزاعم بأن الدول تستطيع أن تفعل ما يحلو لها بشعبها، مختبئة خلف مبدأ السيادة.

عن «جلوب اند ميل» الكندية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved