* رام الله موفد الجزيرة الخاص عبدالله القاق:
لم يخف أي من الاطقم الطبية، وفرق الصليب الاحمر، والعديد من المتطوعين العرب والاجانب هول الصدمة عندما زاروا مخيم جنين الذي اقتحمته القوات الاسرائيلية ورأوا بأم اعينهم الدمار الهائل والمآسي الانسانية في المخيم، ورائحة الجثث التي تزكم الانوف حيث تم منع الهلال والصليب الاحمر خلال الاسبوعين الماضيين من نقل الجرحى للعلاج والشهداء لثلاجة الموتى الوحيدة في مستشفى جنين الحكومي.
وقال محافظ جنين زهير مناصرة ل (الجزيرة) ان ما فعله شارون في عدوانه على مخيم جنين ومدينة جنين هدّد أمن الاسرائيليين والفلسطينيين معا وخلق ظروفا تشكل في حد ذاتها منبعا للعنف بكل اشكاله مؤكدا ان سياسة الادارة الاميركية بمساندتها شارون وتبنيها سياسته العدوانية خلقت عوامل من شأنها تفجير المنطقة برمتها.
ودعا مناصرة المجتمع الدولي لمحاسبة مرتكبي الاعتداءات بحق شعبنا وقال يتعرض شعبنا للظلم في الامم المتحدة لانه كان من المفترض تشكيل لجنة تحقيق وليس تقصي حقائق في احداث مخيم جنين ورغم ذلك نأمل ان تتمكن من كشف الحقائق واعلانها على الملأ ليتحمل العالم مسؤولياته في وضع حد لمعاناة شعبنا والظلم الاسرائيلي المتواصل منذ عشرات السنين.
ودعا مناصرة للحفاظ على الصمود وعدم تحول الانتصار الى هزيمة عبر تعزيز مقومات الصمود من خلال الاصطفاف الوطني خلف الموقف السياسي المجمع عليه وطنيا بالتمسك بالحقوق المشروعة والوحدة الوطنية.
واكد مناصرة ان الشعب الفلسطيني بمدنييه ومقاوميه ضحية للاعتداء الاسرائيلي المنظم الذي تجسد بشكل واضح في مخيم ومدينة جنين.
وقال مناصرة للجزيرة في لقاء خاص اثناء زيارتي الخاطفة لرام الله: واكد أن عدد المفقودين من أبناء المخيم بلغ 240 مواطنا بالرغم من ان عملية الاستفسار عن المفقودين لم تستكمل بعد.
وقال إنه بالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت عن انتهاء العملية العسكرية في محافظة جنين إلا أن الجيش ما زال يحاصر المحافظة بكاملها ويفرض إجراءات مشددة عليها إذ إن هناك مناطق مازالت محاصرة ومغلقة ومعزولة عن العالم حتى اللحظة.
وأضاف ان الحركة في المحافظة مازالت محدودة إلا بعد الحصول من قوات الاحتلال على التصريح بالمرور.
وأوضح أن الجيش الإسرائيلي عرقل دخول بعض الفرق الدولية المساعدة التي كان بحوزتها معدات للعمل مشدداً وجود صعوبة بالغة في رفع الانقاض إلا بعد مسح المنطقة وتنظيفها من المتفجرات التي زرعها الجيش الإسرائيلي قبل خروجه من المخيم بهدف إيقاع أكبر عدد من الشهداء.
وقال للجزيرة إنه منذ خروج الجيش الإسرائيلي من قلب المخيم فقد جرح واستشهد 17 طفلا من جراء الألغام الإسرائيلية والمتفجرات وهذا الرقم يشير إلى خطورة تحريك أو نقل الأنقاض قبل مسح المنطقة من الألغام الإسرائيلية، وهذا الأمر يتطلب فريقا مختصا ومعدات خاصة بكشف الألغام وهو ما نفتقر إليه.
وأضاف أن السلطة استعانت لهذا الأمر ببعض الدول الصديقة مثل النرويج والسويد كما أن هناك فرقا بريطانية وروسية وسويسرية وألمانية ولكن حتى الآن لم تستكمل عملية نزع المتفجرات.
وأشار إلى أن الفريق البريطاني تأكد من أنه لم يعد هناك أحياء تحت الأنقاض في المخيم.
وأعرب عن أمله في أن تنتهي عملية مسح وإزالة الألغام والبدء في عملية رفع الأنقاض تمهيدا لاستخراج جثث الشهداء من تحتها.
وكشف مناصرة النقاب عن أن عدد الوحدات السكنية التي تم تدميرها بالكامل خلال المجزرة في المخيم نحو 800 وحدة سكنية وذلك وفق إحصائيات دقيقة يمكن تقديمها لأي فريق أو لجنة تحقيق.
وقال إن هناك أيضا 400 وحدة سكنية تم تدميرها بشكل جزئي وأن جزءا منها يصعب إصلاحه ولابد من هدمه وآخر يمكن إصلاحه بصعوبة وتكاليف كبيرة.
وتابع يقول: (أما باقي المنازل التي يبلغ عددها (1250) منزلا لا يوجد من بينها منزل واحد لم يصبه شيء من الدمار ولكنها لازالت تصلح للسكن إذا ما تم ترميمها فلم يبق جدار أو زجاج إلا وتعرض للرمي بالرصاص الحي أو أصيبت بالقذائف).
وأعرب عن استهجانه لحملة التحريض والكذب التي مارستها الحكومة الإسرائيلية وقال إن هناك شخصيات تعتبر في العالم محايدة زارت المخيم مثل تيري لارسون الذي يعتبر صديقا حميماً لإسرائيل وقد حصل على جائزة إسرائيلية نظراً لمواقفه الداعمة والمدافعة عن إسرائيل ولكنه عندما زار المخيم ووصف الدمار وما جرى فيه خرجت حكومة شارون تهاجمه وتصفه بمعاداة السامية وعدم الحياد وأنه شخص غير مرغوب فيه.
وأشار إلى شهادات بيتر هانسن والمبعوث الأوروبي ميخال مرتينوس وغيرهم من الذين زاروا المخيم واطلعوا على بشاعة العدوان الاسرائيلي التي وتؤكد وقوع المجزرة.
وقال ان الكثير منهم قد أجهشوا بالبكاء عندما شاهدوا الدمار في المخيم وبعضهم عبروا عن خجلهم من دولهم ومجتمعاتهم لانهم سكتوا عن هذه الجريمة ولأنهم شاهدوها ولم يفعلوا شيئا لتفاديها.
وأوضح أن الحقيقة التي تحاول حكومة شارون إخفاءها ما زالت ماثلة أمام عيون الجميع.
ورداً على سؤال حول مصير أصحاب البيوت التي دمرتها قوات الاحتلال في المخيم قال مناصرة: (لقد تمكنا من استئجار بعض البيوت لبعض الأسر والبعض الأخر مازالوا في أماكن عامة ومقرات لمؤسسات ومدارس كما ان هناك عددا من اللاجئين عادوا في القرن الواحد والعشرين للسكن في الخيام).
وعبرت المتطوعة الاميركية في الصليب الأحمر تشيبس لنا عن صدمتها لما شاهدته وقالت: عشت مع الفلسطينيين وشاركتهم لحظات الحزن والالم، وهم يحاولون الوصول للمخيم لعدة أيام، والجيش الاسرائيلي يمنعهم ورغم مئات نداءات الاستغاثة من اطفال ونساء واهالي المخيم الا اننا جميعا عجزنا عن القيام بدورنا وتقديم المساعدة لاحد فالدبابات كانت تنتشر في كل مكان وتشارك مع القناصة الذين احتلوا عددا من الابنية في اطلاق النار حتى على سيارات الاسعاف.
واضافت قائلة: عمل الصليب الاحمر بكل طاقاته، وبذل جهودا واتصالات حثيثة مع قيادته ومع السلطات الاسرائيلية لضمان تحرك الهلال الاحمر او سيارات الصليب التي تحمل شارته وتقديم الاسعاف للجرحى او اخراج اجساد الشهداء ولكن دون جدوى، فالجيش الاسرائيلي منعنا من التنقل والحركة، وهذا مناف للقانون الدولي.
وضع كارثي ومأساوي
وتصف تشيبس الوضع في المخيم بانه كارثي ومأساوي وتقول: عندما سمح الجيش الاسرائيلي لنا بالدخول، كان الوقت متأخرا جدا، فما ان وطأت اقدامنا ارض المخيم حتى فاحت روائح الموت من الجثث التي تركها الجيش ملقاة في الشوارع والازقة وتحت الانقاض، واضافت تنقلت في عدة بقاع في العالم، وشاهدت اشكالا مختلفة من الدمار، ولكن الصورة هنا كانت مختلفة ورهيبة ومأساوية عثرنا على جثث محترقة واخرى متعفنة، وجميعها لمدنيين بعضهم دفن تحت المنازل التي نسفها الجيش، منهم نساء واطفال ومسنون انها صورة رهيبة.
الفلسطينيون طيبون:
ورغم تأثرها الشديد بمشاهداتها في ازقة المخيم واصلت (تشيبسي) القيام بدورها مع فرق الصليب الاحمر والامم المتحدة والمتطوعين مشاركة باخراج غالبية الجثث وانقاذ حياة عدد من المواطنين الذين هدمت منازلهم عليهم، في لحظات الحزن والقلق والبحث التي عايشها اهالي المخيم فوجىء الجميع بالمتطوعة تشيبسي تسقط ارضا وامتزجت دموعها بصرخاتها قائلة: حرام حرام الفلسطينيون مظلومون وطيبون ونحن الاميركيين مجرمون لاننا نصمت على اعتداء اسرائيل وبوش المسؤول الأول.
صورة تشيبسي هزت القلوب والضمائر فتدافع اليها عدد من سكان المخيم الذين كانت تشد ازرهم قبل لحظات ليشدوا ازرها ويعانقوها ويخففون من روعها ويمسحون دموعها، الا انها واصلت البكاء والصراخ قائلة مساكين الفلسطينيون ما ذنبهم ليقتلوا بهذه الطريقة؟ جميعنا شركاء في الجريمة، فالشعب الامريكي شعب ديمقراطي ينتخب رئيسه وممثليه لذلك نحن شركاء في هذه الجرائم، انا اعيش مع الفلسطينيين وهم طيبون وليسوا مجرمين، والعالم يظلمهم انظروا للدمار والشهداء، انهم ابرياء قتلناهم بصمتنا، ورفضت تشيبسي مغادرة المخيم، واصرت على مواصلة العمل ومساعدة الفلسطينيين وهي تدعو الله ان يغفر لها ويسامحها لانها امريكية ولاتقدر على تقديم أكثر من هذه المساعدة.
انطباعات روسية
الكسي بوجدين مبعوث الرئيس الروسي للشرق الاوسط لم يتمكن من اخفاء حقيقة مشاعره وصدمته من هول الدمار والقصص المأساوية التي شاهدها في جولته التي دفعته لمطالبة اهالي المخيم بالعفو لانه لم يتمكن من الوصول اليهم قبل هذا الوقت، لوقف الدمار ولمنع الحالة الفظيعة التي تشهدها حاليا.
تأثر بالغ
ورغم تهربه من الاجابة عن تساؤلات الصحفيين، عجز غودين عن اخفاء معالم وجهه التي عكست تأثره البالغ وصدمته الشديدة عندما وصل لجورة الذهب وحي الحواشين، والتقى المئات من المواطنين الذين توزعوا بين انقاض منازلهم وتحت الركام يبحثون عن اقاربهم المفقودين او ما تبقى من اغراضهم وممتلكاتهم التي اجبرهم الجيش الاسرائيلي على تركها ومنعهم حتى من اخراج هوياتهم الشخصية، بل ان بعضهم خرج حافي القدمين، ما دفع الممثل الروسي للتعبير عن غضبه ازاء هذه المشاهدات، والقول: لا توجد كلمات تعبر عن كل هذه الكارثة، فقد شاهدت في مخيم جنين مناظر للدمار والخراب، تأثرت بها كثيرا، لذلك لابد من وقف النزيف الذي نعيشه في هذه المنطقة، وانطباعاتي رهيبة فالمخيم يعيش مأساة انسانية حقيقية.
واكد لاهالي المخيم ان بلاده لن تدخر جهدا لاخراج عملية السلام من المأزق الراهن، اما فيما يتعلق بمأساتهم فقال: سنركز على تقديم كل الدعم لانهاء هذه المآسي التي حلت بأهالي مخيم جنين.
حتى الصحفيين عجزوا عن التعبير
حتى الصحفيين صدموا من هول المشاهدة التي واجهوها في مخيم جنين واعترف بعضهم انه عجز عن التعبير عن وصف الصورة التي شاهدها، وقال الصحفي وليد العمري كبير مراسلي قناة الجزيرة القطرية رغم اعلان السلطات الاسرائيلية اغلاق مخيم جنين في وجه وسائل الاعلام وملاحقتها صممنا على تحدي الصعاب والمخاطر وتمكنا من دخول المخيم لنقل الحقيقة التي لا يمكن التعبير عنها، الا من خلال التواجد في ميدان الحدث الذي كان في حالة جنين مغلقا بالدبابات والقناصة.
العمري الذي كان مع مراسلنا من اوائل الاعلاميين الذين تسللوا للمخيم. قال الطريق التي سلكناها كانت خطيرة وعسيرة، ولم يكن بالسهل الدخول للمخيم ولكن الصورة التي شاهدناها منذ اللحظة الاولى كانت مرعبة للغاية، جثث محترقة او مقطعة، وعشرات المنازل المهدمة والمدمرة جعلتنا نشعر كأننا في منطقة ضربتها هزة كبيرة ويضيف: انه واقع مؤلم ومأساوي خاصة عندما تدرك ان الضحايا مواطنون هجروا قبل 50 عاما وعادت نفس الدولة التي قامت على انقاض منازلهم لتهجرهم مرة اخرى.
وقال العمري ان من المناظر الاكثر حساسية التي شاهدها في المخيم المواطنين الذين بقوا محاصرين في منازلهم لاكثر من 20 يوما، والسؤال الاكبر الذي راودنا كيف ظلوا على قيد الحياة بعد كل ما جرى في المخيم؟
اما الموقف الاصعب فهو الامهات اللاتي اشرن الى ان ابناءهن استشهدوا حتى ان الكلمات وقفت عاجزة امام صورة الحالات الانسانية الفريدة لام واب يبحثان عن اقاربهما او طفل يبحث عن اخوته واسرته وان تجد شخصا يبحث عن بيته بين الانقاض.
بكاء وحزن وغضب
وتوقفت الصحفية ميري سيرال الامريكية عن اجراء المقابلات وعانقت والدة الشهيد جمال فايد فقد دفنت الجرافات الاسرائيلية ابنها المقعد تحت الانقاض ثم وضع حد لهذه المآسي الخطيرة عبر سلسلة من الخطوات العملية فقد صوت البرلمان بالاغلبية قبل عشر ايام على قرار يعبر عن ادانة قوية شديدة للاجتياحات والممارسات الاسرائيلية وطالب بتجميد الاتفاقية الاقتصادية المتوسطة بين الاتحاد الاوروبي واسرائيل،
ونشر قوات حماية دولية، واضاف ولكن بعد هذه الزيارة والمشاهدات التي لاتصدق، سنتوجه للبرلمان الاوروبي لننقل لهم صورة الوضع وما شاهدناه في جنين، حيث لدينا نقاش مهم في اطار الجلسة العامة حول موضوع فلسطين، والتأكيد انها كارثة انسانية وسنسعى للمساعدة والتعاون مع الشعب الفلسطيني لتحديداحتياجاته لنعود للاراضي الفلسطينية بأسرع وقت ونساهم في تحقيق الاعمار والبناء والسلام رغم الدمار والجراح والمآسي، واكد ان الوفد سيبذل جهودا كبيرة لكي يشهد الرأي العام الدولي على حقيقة المجزرة، لانه من الضروري ان يعلم ان ما حصل في جنين ليس له علاقة بالامن، فقد شاهدنا مناطق وبيوتا كاملة هدمت، وتأكدنا انه خلال ستة ايام كان الوصول للمخيم حتى للاسعاف مستحيلا وممنوعا كما تأكدنا من تعرض المستشفى القريب من المخيم والطواقم الطبية للهجوم لذلك ارى ان ما حدث جريمة حرب.
قوات حماية دولية
ودعت رولزين فاكيتا عضو البرلمان الفرنسي والنائبة في البرلمان الاوروبي الى فرض عقوبات واجراءات عملية ضد اسرائيل بأسرع وقت ممكن وقالت بغضب وحزن سنعود للبرلمان الاوروبي ونعلن الحقائق للضغط على حكومتنا لارسال قوات حماية دولية لحماية الشعب الفلسطيني وارسال مساعدات تقنية ومادية لانقاذ هذا المخيم والمدينة.
ونقلت صحيفة (هآرتس ) ايضا حجم هذه المأساة في المخيم، حيث تحدث سكان المخيم عن ظروف اعتقال مهينة لهم.. وقالت هند عويس وهي ام لعشرة اولاد للصحيفة الاسرائيلية ان حوالي مئة جندي اقتحموا منزلها وظلوا فيه خمسة ايام وخلفوا وراءهم دمارا كاملا وهذا هو احد الفصول المخجلة في هذه العملية، ووفقا لشهادات السكان تصرف الجنود بوحشية كبيرة دون وجود اي مبرر لذلك تحدثوا بوقاحة ودمروا اثاث المنزل وحطموا اغراضا كثيرة فيه وكتبوا اسماء وحداتهم العسكرية على جدرانه وسرقوا اموالا واشياء غالية الثمن.وتحدث سكان من المخيم اعتقلهم الجنود عن ظروف اعتقال مهينة، حيث اجبروا على النوم لايام طويلة على الارض يرتدون ملابس داخلية فقط واياديهم مكبلة بالاصفاد، وحصلوا مرة واحدة يوميا على ماء شرب وخبز، واجبروا على الاستعطاف من اجل السماح لهم بالتوجه لاناء من الحديد لقضاء حاجتهم، وضربهم الجنود والمحققون من المخابرات العامة (الشاباك) واعتادوا ركلهم واطلق سراح معظمهم في نهاية المطاف، بعد ان اتضح عدم وجود اي شبهات ضدهم.
هدد الرضيع بمسدس!!
طالب الجنود الذين اقتحموا منزل هند عويس، جميع سكانه الخروج منه، ورفضت المرأة، اذ لم يوجد اي مكان تستطيع التوجه اليه واطفالها وسط اطلاق النار في الخارج، واكتفى الجنود في البداية بالسيطرة على الطابقين العلويين من المنزل، وعادوا في اليوم التالي لمطالبة سكانه باخلاء الطابق الارضي ايضا ورفضت المرأة ثانية وأوضحت لنا، حمل احد الجنود ابن اختها راتب البالغ عاما ونصف العام من عمره، شده تحت احد ذراعيه وصوب باليد مسدسا الى رأسه وهدد بلغة عربية مشوشة باطلاق النار على الرضيع اذا لم يوافقوا على اخلاء المنزل، ولهذا اجبرت المرأة على اخلاء منزلها وتوجهت الى احد الازقة قرب منزل جيرانها الذي دمر فيما بعد.
حملت هند راتب، الطفل الرضيع الجميل ذا الوجنتين المتوردتين تحت ذراعها مكررة تمثيل ما قام به الجندي الاسرائيلي.
اشعلوا النار في المنزل
وقالت بانه ليس ضابطا ولا تستطيع التعرف عليه لانه مثل باقي الجنود كان يضع دهانا اسود على وجهه، ولربما فعلوا ذلك من اجل عدم التعرف عليهم امام محكمة لمجرمي الحرب لكنها تعرف اسم الوحدة التي يخدم فيها لان الجنود كتبوا على جدران صالون منزلها اسم وحدتهم (غولاني) بلون اسود، وقالت ايضا انهم اشعلوا النار في المنزل قبيل مغادرتهم له واضافت لربما دبت النار فيه بعد مهاجمة مروحية له، استمرت الجرافة بهدم منزلها في الوقت الذي كانت تمسك فيه راتب بنفس الوضعية التي مسكه بها الجندي مهددا بقتله وشتمت شارون وبوش وكافة الذين سكتوا على اعمالهما، وقالت بعد ذلك والدموع في عينيها، بأنها تبكي فعلا، لكنها تشعر بالفخار لجرأة المقاتلين في المخيم الذين حاولوا صد الغزاة بالبلدية التي تعمل من اجل عودة الحياة الطبيعية بسرعة للمخيم.
منذ عام 1948
درست البلدية في البداية وقبل ارسالها طواقم لاعمار المخيم تركه بدماره كنصب تذكاري ليشاهده العالم اجمع، لكن معظم سكان المنازل المدمرة يريدون العودة الى المخيم ومعظمهم يقطنون هناك منذ عام 1948، ومعظمهم من سكان حيفا والمناطق المحيطة بها وسيقام لهم معسكر من الخيام الى حين استكمال بناء منازلهم، وقال مسؤول كبير في السلطة الفلسطينية سيكون هذا اول مخيم في القرن الحادي والعشرين، النقاط الرئيسة في هذه القضية معروفة الآن: انها قصة وحشية بشعة، وليس مهما ما يطلق على ما حدث هناك وبالامكان التخلي عن مفهوم (مجزرة) وبالامكان الموافقة على ان قتل المدنيين مجزرة وذلك بغض النظر عن عددهم، بما في ذلك المدنيين الذين اعتبروا كرهائن بأيدي رجال المنظمات، وعلى كل الاحوال من المهم جدا اعادة اعمار المنازل المدمرة بأقصى سرعة ممكنة، خصوصا وان الشتاء سيحل بعد اقل من ستة اشهر.
هذا المخيم الاسطوري الذي صمد مقاتلوه بكل بسالة، ولم تستطع الالة الاسرائيلية اقتحامه الا بعد ان نفذت ذخيرة المقاتلين.. هذا المخيم الذي زاره وليم بيرنز مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط، وتجول في ارجائه قال: ان من الواضح ان ما جرى في المخيم قد سبب معاناة هائلة بالنسبة للالاف من المدنيين الفلسطينيين الابرياء. انها مجزرة حقيقية ضد الانسانية!!ويمكن القول ان اجتياح اسرائيل للمدن والقرى والبلدات الفلسطينية في جنين وفي المخيم ونابلس وطولكرم والخليل وبيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور واحياء من مدينة القدس ورفح جنوب غزة وغيرها وما ارتكبته اسرائيل من جرائم من قتل وتنكيل وتدمير للبنية التحتية يمكن تسميته بأنه نكبة جديدة بكل ما للكلمة من معنى، حيث هدمت كل البني التحتية والثقافية والحضارية والاقتصادية التي انشأها الشعب الفلسطيني ليس فقط منذ قيام السلطة الوطنية بل منذ عشرات السنين كما فعلت في عام 1948 وفي لبنان 1982 ولكنها لم تنجح هذه المرة في تشريد فلسطيني واحد رغم آلتها العسكرية الجبارة القادرة على ابادة مخيمات ومدن استعملتها بلا هوادة فضلا عن الحصار الذي تفرضه على كل الشعب الفلسطيني في وطنه خدمة للمشروع الصهيوني.وهذا يكفي ان نقول ان هذا الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني افشل مخططاتها وقدم هذا الشعب المناضل والمكافح احد اهم الدروس في الصمود والوطنية والتضحية لافشال مخططات شارون التوسعية والهمجية ومدير اعماله التسويقية وزير الخارجية بيريز فهذا الصمود افشل مخططات العدو الاسرائيلي بنكبة جديدة توازي الخامس عشر من ايام عام 1948 والتي سيحييها الفلسطينيون والعالم العربي بعد مرور 54 سنة على وقوعها والتضحيات الجسام التي ضحى بها الفلسطينيون للوقوف في وجه العدو الاسرائيلي، الذي لم يفكر الفلسطينيون بعد نصف قرن بما جرى لهم في نيسان عام 1948، من مجازر ارتكبتها عصابتا (الايتسل والليحي) والتي هوّل لها بن غوريون وقادة الهاجاناة آنذاك لترويع الفلسطينيين واثارة الفزع في نفوسهم.انها قوة الارادة والصمود وفي مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية التي ترفض الخنوع والاستسلام في هذه الظروف العصيبة والقاسية على شعب اعزل يواجه اعتى قوة عسكرية في العالم مدججة بالسلام الامريكي وبضوء اخضر من الادارة الاميركية ايضا!!
|