في أحيان ليست بالقليلة ولا بالهينة يتملكك نوع معتَّق من «السَّأَم» أو «الملل» أو «القلق» ومن «ضيق الصدر» إما بسبب «ذاتي» شخصي مفسَّر أو غير مفسَّر، وإما بعامل خارجي مثل هذه المغْلَقَات الحياتية المعاصرة التي ليس لها مفاتيح.. ومثل تلك التحولات والأحداث التي لا طعم لها ولا لون ولا رائحة.. عندها.. تقوم أنت بحركات أو بتصرفات تتصور أن فيها دواء لدائك!! حركات، وتصرفات لو رآك فيها العقلاء، أو بعض الذين يحترمونك لأعادوا تقييمك من جديد!!
دعك الآن من العقلاء ومن الذين يحترمونك.. ولنفترض أنك عمدت إلى مفتاح التلفاز الذي يحاصرك في مربع نفسي خانق لتتقاذفك المحطات والقنوات فأنت والحالة هذه همَّاز بحَّاث عمَّا يواسيك أو يسلِّيك أو يتوجع، وهو (أي المفتاح) مشاء بك بين هذه الأمواج المرعبة التي تفتك بما لديك من أنساق نخبوية في السلوك والتفكير واللغة وطريقة الإفصاح والأداء..!!
أيضاً.. انسَ مايتعلق بالأنساق النخبوية والتجليات.. وابقَ معي..
كن معي قليلاً..:
عندما يمر بك المشَّاء وهو في طريقه إلى الآخر على محطة تلفاز «الشرق الأوسط» فتفاجأ ب «معتز الدمرداش» يقدم لك مادة تحتار في تصنيفها.. فتلك ليست مشكلة!!، وعندما يعود بك المشَّاء فتصطاد كما أنت والمشَّاء القناة الأولى فتفاجأ ب «رضا نصر الله» يعتسف مادة لا هي بالحوار ولا هي بالنقاش ولا هي بالاستعراض فتلك أيضاً ليست مشكلة..!! لكن.. أن يجتمع «الدمرداش» و«نصر الله» في برنامج واحد، وساعة واحدة، وسياق واحد فتلك تلك هي الكارثة.. ثم أن يصف «الدمرداش» «نصرالله» بالمحاور أو بالمناقش أو بالمقدم هذه يمكن ان تهضمها لكن ان يسبغ «الدمرداش» على رصيفِهِ «نصرالله» صفة «المذيع» فهذه كبيرة كبيرة!!؟
فليست هناك صفة على وجه الأرض أبعد عن «نصرالله» من صفة «المذيع» هذه واحدة.
أما «الطامة الكبرى» التي ترتعد لها فرائص الحياء والتواضع ورؤيا «النِّفَّري» فقد جاءت عندما أسبغ «نصرالله» ذاته على نفسه صفة «المثقف» عندما قال بالحرف الواحد: «أنا كمثقف» وبعد لحظات جمعها فقال: «نحن كمثقفين».. حصل هذا في برنامج فضائي يبث على أسماع العالم وأبصارها، ففي الوقت الذي كان فيه ضيف البرنامج يوغل في التواضع وإنكار الذات وتقدير الآخرين كان السيد «نصرالله» يدَّعي لنفسه شرف «الثقافة» الذي لم يحلم به أحد حتى الآن..
تصوَّروا «الثَّقافة» التي لم يتوصل علم العالم ولا اختراعاته ولا عبقرياته إلى تعريف حقيقي لها.. يجعلها «نصرالله» من صفاته وسماته التي يجاهر بها علناً لقد كان في إمكان «رضا نصر الله» ان يقول مثلا نحن كتَّاب.. أو أنا «كصحافي» أو «مشاركاً في الساحة الثقافية» ليبدو مهضوما ومملوحا إلى حد ما.. أما «أنا كمثقف» و «نحن كمثقفين» فتلك مسألة غاية في الصعوبة والكارثية!!!
وهنا أشعر بأنه ينبغي ان أتوقف عن مزيد من التفريع وتحليل مدلول كل ماسبق فهو واضح لكل ذي لب وقلب يعقل به..!
ألم أقل: إنك (ياعزيزي المتلقي) مضطر إلى ان تستحضر سيرة العقلاء وان تتذكر الذين يحترمونك قبل ان تتحول في لحظات إلى «همَّاز» سقيم يلهث خلف «مشَّاء» لئيم؟؟!
عبدالله عبدالرحمن الزير |