Friday 3rd May,200210809العددالجمعة 20 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

القريات قلب الشمال النابض 5 / 6 القريات قلب الشمال النابض 5 / 6
مدينة تخاف المطر الذي تحوّل إلى قدر تجرف سيوله شبابها ورجالها
كتبها : سليم الحريص

ذلك المساء حين تعانق البرق والرعد وصافحت الغوادي آكام الارض وتلالها واستحمت سفوح التلال، ليل اضاءه لمعان البرق وسكون شقه صوت الرعد.
كان الهطل يعيد للأنفس المتعبة نشوتها.. فرحها، وللطيور تغريدها وللاشجار نضارتها. البشر تغيرت نفسياتهم وسلوكياتهم لأنة المطر..
صورة تبوح بها خفايا النفس البشرية وأصوات تعيدك إلى احتفالية غابت عن المهج والارواح.
كنت أرى اللوحة. أفسر خيوط نسجها وأتعامل معها بلغة الغيث في لثمة الارض القاحلة العطشى.
مطر ينقلنا الى عالم آخر افتقدناه.. غاب عنا.. غبنا عنه لكنني أراه هذا المساء مزهوا بنا بعد ان اغتسلنا بحبات المطر. نحن لانعرف الهرب من شيء واحد لكنه هروب من اشياء عديدة كانت تحيطنا بسياج الاغتراب.. الغربة.
* الناس هنا يختلفون. ينغرسون حتى النخاع في اشيائهم التي لن يجدوها في غير هذا المكان. تجذر يبعدهم عن مواقع الضوء..
ينأى بهم. انغماسهم فيها يبقيهم في محيط لا يبعدون فيه عن خصوصية المكان ولغته وطباعه.
ذلك المساء كان الاصعب على مدينة الصحراء.
صعب عليها ان تشرب اكثر من طاقتها.. اكبر من قدرتها واحتمالها لم يكن لها من سبيل الا ان تصرخ.
* رأيت في ذلك المساء مدينة تغرق في بحر من الماء. ورأيت مدينة تستسلم للمطر المنهمر. وسمعت الصوت المستنجد وشاهدت كل مساحات الفرح تستحيل الى جزر يعزل بينها الماء. مدينة اقيمت بخضرة الحلم فأبى الواقع الا ان يغير ويبدل الاشياء من واقع يحلم به إلى خيمة يلفها الصمت والسكون والاستسلام.
منذ ذلك المساء بقي الخيال أسير تلك اللوحات التي شاهدتها لاول مرة في حياتي. لكن حلمي بات أكثر بعداً.. وتبدت الحقيقة وعدت بحلمي إلى واقع يجب التعامل معه.. ان نعيشه ونتعايش معه.
* هذه اللوحة كانت ليلة ان غرقت القريات بالمطر بل كادت ان تكون.. فيكف يرى ابناء القريات تلكم اللوحة؟؟
* الشاعر/ بدر فندي الفندي ابى الا ان يقرأ اللوحة برؤيا مختلفة فالشعر كما يقول يعطي تفصيلا دقيقا. مختصرا كل جمل الكلام ومفرداته. هاجسة لوحة المطر ونبضة مستقبل مدينة واطروحاته لاتبتعد عن طروحات ابنائها الآخرين يقول بدر:


يوم انفلق ضو الصباح استطابه
والغيم هل ووابل الغيم سكاب
ثم التطم سيل الفياض وشعابه
قالوا غرقنا قلت انا ويش الاسباب
طوفان والا سيل والاسرابه
قالو بحر قلت آه ايش جاب لاجاب
كل المرض متنقِّع في جنابه
مستنقعات كلها مالها أطباب
حلم يفل من الجدايل سرابه
والغيم جاك الغيم واقف على الباب
وفي ديرتي لو هي تزيد الكتابه
اقدم اليمنى وباليد مشعاب
وفيها النواقص زودماهي طلابه
وتحتاج جامع زاهي فيه محراب
كل المآذن في سماها تشابه
نبي مآذن للسما شقة (اعباب)
نبي حدايق كننا وسط غابه
ونبي معاهد للمهن تفتح ابواب
ونبي شوارعنا نظاف ورحابه
تنظيم يسحر لالمسناة الألباب
نبي شجرها زاهي في ترابه
نبي ورود زاهية والثمر طاب
قالت.. وانا مستاحش الفكر صابه
مستغرب من قولها حلم كذاب
ابي بعد كاني طلبت استجابه
كلية تجذب من الشرق طلاب
قلت آه.. انا ياليت فيني اجابه
قالت انا اول بكل شيٍ لي حساب
قلت ايه مابه نقص كنتي سحابه
ولازلتي اجمل والقصايد لك ثياب
الله. احبك فيك عز ومهابه
وانتي صبية بنت لو عارضك شاب
ياكثر ما حبيت فيك الكتابه
والشعر بك لا شك محفوظ بكتاب

مساء تحولت فيه الارض الى انهر جارية بعد ان ارتوت ومازالت السماء تغدق خيرها(36) ساعة متواصلة من المطر.. لوحة ولاأروع.. مناظر افتقدناها عدة سنوات.. لكن الصورة تغيرت وتحول الفرح الطاغي الى خوف وفزع وهلع خلفة استمرارية الهطل.. سيول جارفة.. بحيرات تحاصر المدينة.. بل هي تهددها.. اخبار متواترة.. استنفار لطارئ أيقظ الاجهزة من غفوتها.
وترقب لقادم مجهول وتوجس من واقعه لها عواقبها. كانت القريات قد توسدت الوعود ونامت مطمئنة (معتقدة ان كل وعد آت) ظنت ذلك!!! استيقظت من حلمها الوردي لتصافح الخطر الذي احاط بخاصرتها واختطف اثنين من ابنائها كانا يحرسان الثغور.. كانا يرصدان ويبلغان اولا بأول عن حجم السيول. فكأن القدر والمطر على موعد معهما. عاشاموتهما اكثر من مرة وشاهدا الزملاء وهم يودعونهم وهم بلاحول او قوة وشهدا الضعف والاتكالية والتهاون، وهذا ما جعله حدث اهتزت له القريات. ابكى العيون والمهج.
لم يسعفهما القدر ليشاهدا مدينتهم وهي تتحول الى جزيرة احاطت بها المياه كما احاطها الخطر من كل جهاتها.
تسأل المدينة الى أي مدى يبقى الخطر قائما؟؟ والى متى ابقى رهينة للتنظير الذي لن يأتي بالحلول. الى متى ابقى في رحلة البحث عن حل جذري؟ ان لم يكن استجداء الحلول كي ينام الابناء مطمئنين هانئي البال.
ترى هل الشعر يجسد الواقع؟؟ انا أعتقد ذلك واظن ان الشاعر/ محمد عطا الله الشراري قد صور واقع القريات اثناء المطر وخلاله وما بعده فهل يكفي التعبير عن الحال شعرا؟؟ يقول محمد.


باسمك ابدأ وأستعين بقوتك ياذا الجلال
واحمدك وادعوك تغفر زلتي يوم الوعيد
ربنا أنت الكريم ونشكرك في كل حال
للخلائق عاد خيرك يامعيد وياحميد
غثتنا وأنزلت غيثك في قريات الشمال
ست وثلاثين ساعة والمطر صبه يزيد
لين خاف المستغيث وعادلك يدعو وقال
(اللهم حوالينا لاعلينا) يامجيد
المدينة في مصب الاودية والسيل سال
كل وادي قام يجري واعلنوا موت الفقيد
والمنازل والشوارع والمزارع والدغال
اصبحت مثل الجزيرة والمخاطر في مزيد
داهمتنا حاصرتنا واغرقتنا لامحال
حاطت الاخطار فينا والقدر لازم يصيد
تحت حكم الله سعينا بين صبر وابتهال
مالنا غير المقدر والشطارة ماتفيد
المدينة عرضة للسيل وأسوأ الاحتمال
والوسائل عندنا متواضعة مثل الهميد
كم طلبنا كم رفعنا والعوائق لا تزال
طالت المدة علينا ياهل الرأي الرشيد

الصورة التي وضعتها في بالي قبل صعود طائرة الدفاع المدني مع تباشير الفجر لم تكن تصل في حد التوقع ذلك الخطر الذي رأيته من الجو، ولم اكن اتوقع ان الخطر بهذا الحجم ولم اتوقع انه يقترب منها كماهو الحال الذي شاهدته من علو. إذن ما رأيناه يرسم مستقبلاً غير بينٍ لمدينة تحتضن بين جنباتها ما يزيد على مائة الف مواطن.
لكنه الحدث الذي اماط اللثام عن اوجه القصور. والبعد عن العلاج وازاح الستار عن مخاطر كثيرة وكبيرة تتربص بهذه المدينة، ومع هذا فالصورة رسمت ابعاد الخطر وحجم المخاطر الراقدة بين الهدب والهدب، وقد تجلى من خلال تسارع الاحداث. النقاط الجوهرية والتي تتمحور في مجالين (واقع المدينة وطبوغرافيتها) و(جاهزية الاجهزة وقدرتها على التعامل مع الحدث).
اولاً: طبوغرافية المدينة: نعرف ان المدينة تتخللها عدة اودية ناقلة للسيول من الهضبة الاردنية وسهل القريات ماهو الامجمع لهذه السيول مضاف لهذا ان التربة في بعض اجزائها كلسية غير نافذة وسباخ تنز الماء فلا تتشرب المياه. حين تمتلئ السباخ الشمالية فإنها ترتد الى المدينة وخاصة حي الفيصلية الذي شكل تجمع المياه بمحاذاة الطريق الدولي تهديداً حقيقياً للمدينة بعد ان كاد ان يذهب بالطريق لولا لطف الله سبحانه والتدعيم الرملي بجانب الطريق من الجانب الشمالي مما يضع اكثر من علامة استفهام حول كيفية تنفيذ الطريق وتصميمه والاشراف عليه؟؟؟
فمن جانب لابد من مراجعة تخطيط المدينة وايجاد منافذ لمياه السيول القادمة من الاردن خاصة التي تتوسط المدينة وتهدد الاحياء الشرقية منها بايجاد قنوات صرف صندوقية تفيض بالسيول الى الشمال مع ايجاد جدران استنادية خرسانية لعدم ارتدادها الى المدينة ثانية، ثم هناك من يقترح ايجاد برك او خزانات ذات سعات كبيرة لتخزين هذه المياه للاستفادة منها سواء للشرب بعد معالجتها او للري او الاستخدامات الاخرى.
تعديل تصميم الطريق الدولي المحاذي لشمال المدينة بحيث يوفر له حماية بجدار خرساني مع اغلاق عبارات الطريق التي تنقل المياه للمدينة.
* * * ردم المنطقة المنخفضة ومساواتها بالاراضي التي تقع في الجنوب وتحويلها الى ارض مستوية تحول دون ارتداد الامطار.
* * * وضع سد معاكس على الطريق الدولي (الجسر الواقع الى الشرق من مطار القريات) بحيث يقف حائلا دون تسرب المياه من فيضة الرشراشية الى المدينة.
* * * العمل على سرعة تنفيذ شبكات التصريف الصحي لنقي المدينة من تلوث الموجود وخفض منسوب المياه السطحية مع ضرورة تنفيذ شبكة لتصريف الامطار.ثانيا: الاجهزة المعنية كشف تتابع الاحداث ان الجاهزية للتعامل مع الظروف الطارئة لم يكن بالشكل الأمثل ولم يتم التعامل مع الحدث على انه خطر فعلي جسيم بل كان التعامل قائماً نوعاً من العادية او اقل منها. ثم ثبت ان التدريب على مواجهة الطوارئ لم يكن موجودا رغم تكرر الحدث ولمرات عديدة فلا أدري ما هو تعريفنا للحدث ومستوياته ودرجاته؟؟ ثم الامر الاهم هو التجهيزات البشرية والفنية التي لم تكن بحجم متطلبات مواجهة هذا الطارئ ابدا. فكان هناك عجز بين في المعدات والآليات والخطر لا ينتظر قدوم معدات من هنا او هناك ولهذا فلا بد من اعادة النظرفي امكانات الدفاع المدني بالقريات البشرية او الفنية والآليات واحتياجاته الاخرى التي يكفل وجودها أداء أمثل وأسأل الله التوفيق للجميع.
(غداً الحلقة السادسة)

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved