قد يسأل سائل عن الفرق بين التأمين التجاري والتأمينات الاجتماعية ويكتب لنا الدكتور محمد شتا أبو سعد:
يزخر العالم الآن، بأنماط عديدة من الاصلاحات المندرجة «تحت عبارة التأمين». ويقف القارئ العادي في دهشة من أمرها. ولا يكاد يجد من المعلومات ما يروي غليله بالنسبة لها.
وهذا يستلزم اعطاء نبذة عن الفرق بين المصطلحات التأمينية الشائعة ومدى دلالتها حتى يكون المؤمن عليه على بينة منها.
وسبب المشكلة في الحقيقة هو سبب لغوي، لا اصطلاحي، فمادة «أمن»، على ما ورد في المعجم الوسيط تعني: دفع مال منجم، أي مفرق، لينال هو أو ورثته قدراً من المال متفق عليه. أو تعويضاً عما فقد. يقال: أمن على داره أو سيارته.. الخ. وكلمة «أمن» مصطلح جديد، وهو قريب من كلمة «ضمان»، الشائعة من قديم معنى ومضموناً.
هذا إذن الأصل اللغوي للمادة وهو سبب كل لبس في الموضوع وبيان ذلك أن مادة أمن ليست مادة لغوية على إطلاقها وإنما هي مادة اصطلاحية بأدق معانيها.
وما دام الأمر أمر اصطلاحات فإنه من غير المعقول أن يطلق الناس الأحكام على التأمين من واقع المنظور اللغوي، فيقولون هذا حرام وهذا غرر وهذا مناف للشريعة.
إن الشريعة الإسلامية تمتاز بأن الحلال فيها بين والحرام فيها بين، ولو وصف الحلال بأنه حرام ما تغير حكمه، وكذلك لو وصف الحرام بأنه حلال ما تغير حكمه أيضاً لأن العبرة بجوهر الأمر لا بتصوره.
ولذا فإن الحق سبحانه وتعالى نهى عن مثل ذلك بقوله جل شأنه: {$ّلا تّقٍولٍوا لٌمّا تّصٌفٍ أّلًسٌنّتٍكٍمٍ پًكّذٌبّ هّذّا حّلالِ $ّهّذّا حّرّامِ } ومن هذا المنطلق ومن منظور المستقر عليه من لدن علماء الشريعة الأوائل وحتى دراسات هيئة كبار العلماء بالمملكة وهي دراسات سلفية عميقة فإنه يمكن بيان الفرق بين التأمين التجاري والتأمينات الاجتماعية من خلال أمور أهمها:
أولاً : التأمين التجاري تأمين يستهدف الربح، لذا تأخذ شركات التأمين، وهي عادة شركات خاصة، مبالغ من الأشخاص لمساعدتهم في محنتهم وكوارثهم، وهي تأخذ مبالغ قد ترد وقد لا ترد، وقد ترد كاملة أو ناقصة، وقد ترد أكثر منها والفرض الأخير فرض محدود أما التأمينات الاجتماعية فهي نظام تكافلي، وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ويعرف بالضمان الاجتماعي أو المساعدات الاجتماعية وفيه ينال المتضرر مبالغ عند حدوث كوارث له دون أن يكون قد دفع أي مبلغ للدولة على الاطلاق أو إحدى مؤسساتها، بل تمد الدولة إليه يد العون، وتجدر الاشارة إلى أن المملكة قد رفعت مقدار المبالغ التي تدفع للمستفيدين من نظام الضمان الاجتماعي الذي له وكالة وزارة مستقلة ضمن وزارة العمل والشئون الاجتماعية وهذا النظام نظام مساعدات بحت.
القسم الثاني: ويعرف بالتأمينات الاجتماعية: وتقوم به إحدى المؤسسات التابعة للدولة، وهو نظام تكافلي، فيه يدفع العاملون بالقطاع الخاص نسبة محدودة من أجورهم ويدعمها صاحب العمل بنسبة أكبر في فرع المعاشات، ويدفع صاحب العمل النسبة كلها في فرع الأخطار المهنية، وعندما يتحقق الضرر للمؤمن عليه تدفع له المؤسسة مبالغ في صورة معاشات شهرية له ولورثته من بعده، فضلاً عن منافع متعددة أخرى ليس هذا بالقطع مجال تعديدها.
وأساس التأمينات الاجتماعية هو التكافل بين المؤمن عليهم، فمقابل اشتراك محدود، يحصلون على منافع غير محدودة وتضمن الدولة هذه المؤسسة القائمة بتحقيق مفترضات هذا التضامن الاجتماعي أو التكافل الإنساني، فلقد كان من الصعب أن تدفع الدولة للموظف راتباً تقاعدياً ولا تدفع راتباً تقاعدياً للعامل مع أن عمل العامل قد يكون أهم بكثير في مجال اقتصاد الدولة وتنميته وحمايته، لذا أتت التأمينات الاجتماعية لحماية هذه الفئة من الناس مقابل اشتراك زهيد شأنهم شأن موظفي الدولة تماماً.
ثانياً: التأمين التجاري فيه غرر أما التأمينات الاجتماعية فليس فيها غرر، فالشخص في التأمين التجاري قد يدفع اقساطاً ثم لا يحصل على أية مبالغ على الاطلاق، أما في التأمينات الاجتماعية فإن كل من دفع ريالاً يحصل عليه مضافاً إليه منحة في أسوأ الفروض، أما في أغلب الحالات فهو يحصل على معاش هو وأسرته أو على امتيازات طبية ومالية أخرى تفوق ما دفع مرات ومرات وهذا هو الهدف من نظام التأمينات الاجتماعية، ونحيل القارئ إلى لقاء موسع مع عدد من اصحاب الفضيلة والمختصين بهذه المواضيع ومنهم: فضيلة الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة في ندوة نشرتها المدينة المنورة يوم 3 ربيع الآخر 1412هـ.
ثالثاً: المزايا التأمينية في التأمينات الاجتماعية ذات طابع نظامي، فالدولة هي التي تحدد هذه المزايا بطريقة تحقق مصلحة المواطن، أما في التأمين التجاري فإن المزايا ذات طابع تعاقدي، حيث لا التزام إلا بما نص عليه العقد.
ولما كانت مزايا التأمينات الاجتماعية تتعلق بالنظام العام فإن المؤسسة العام للتأمينات الاجتماعية، تكون ملزمة نظاماً بتقديم الحماية التأمينية للمشمولين بها عند توافر شروطها دونما حاجة إلى بنود تعاقدية، لأن الأمور منظمة بطريقة نظامية وعامة ومجردة على خلاف التأمين التجاري الذي قد يثير بعض المشكلات المتعلقة بتحديد المزايا ومداها حسب تفسير بنود العقد.
رابعاً: الأثر: تؤدي التأمينات الاجتماعية «والضمان الاجتماعي»، إلى شيوع جو من الأمان في المجتمع، وتحقيق الاستقرار، ومحو ظاهرة الحاجة نهائياً من المجتمع، نظراً لشموله كما أن التأمينات الاجتماعية بما لها من نزعة إنسانية تحمل طابعاً تكافلياً لأنها تنبني على التعاطف مع المحتاج والاحساس بمشكلته وتقدير حاجته، أما التأمين التجاري فهو محدود التطبيق، لأن الشخص القادر عادة هو الذي يسعى إليه، ويريد الافادة منه، ولذا فهو ليس تأميناً شاملاً ولا اجبارياً ومن ثم فإن آثاره معدودة بل محدودة، ومن هنا فإن التأمينات الاجتماعية ولاسيما عند تطبيقها تطبيقاً إسلامياً متكاملاً، تجعل التكافل أساس الحياة في المجتمع.
|