قفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ بسِقطِ اللَّوى بين الدَّخولِ فحوملِ |
أشهر بيت لأشهر قصيدة قالتها العرب، صدح بها امرؤ القيس مستفتحاً معلقته التي نالت من التفسيرات والشروح ما لم تنله قصيدة أخرى، فقد يربو شرح البيت الواحد على الصفحة، ولكن يبدو أن الدَّخول وحومل وغيرهما من مواقع لم تثر شهية شارح ولا فُضول مُريد ولا رغبة عاشق للشعر.. فكل ما سوف نجده في الشروح أنها أمكنة!!
هكذا، الدَّخول وحَوْمل مكانان. أين يقعان؟ في الصحراء أو في الجحيم فذلك لا يهم الشارح المتحضِّر. وفي أحسن الأحوال سيقال لك إنهما موضعان في صحراء نجد وكفى.
ولو استفهمت أين يقعان بالضبط؟ ما هي التضاريس المحيطة بهما؟ لماذا اختصهما سيد الشعراء في مطلع معلقته؟ ما هي قصتهما؟ فذاك من نافل المعرفة في نظر الشُرَّاح . ربما يقولون لك: وما يدرينا انه بدوي جلف وقف قرب سقط اللوى ليتبول أو ينتجع برهة، فأنشد بيتا من الشعر وذكر هذين الموقعين، ربما قاله ليستقيم الوزن والقافية، ربما اختارهما عشوائيا كيفما اتفق، أو ربما هي خَطَرةٌ رانت على هاجسه المتوقِّد لا علم لنا بها. إن ما يعنينا إعراب هذا البيت واستيفاء الوزن والقافية وشرح المعاني، أما الجغرافيا وما وراء التضاريس فلا شأن لنا بها.
رُبَّ قائلٍ، لماذا الاهتمام ينصبُّ على طلل في الصحراء؟ هناك كل شيء متشابه وأجرد خاو من المعنى. الرمل هو ذاته في كل الصحراء، والصخر هو ذاته، وتنوعية قليلة من الأعشاب المتهالكة.. ولكن هذا منطق تسطيحي للمكان وللحالة الشعورية . فكما أن المعشوقة في نظر العاشق فوق كل جمال رغم أنها قد تبدو متواضعة الجمال في بصائر محايدة، المكان أيضا يحمل أبعاداً معنوية ونفسية وروحية في الذاكرة التي تقاوم النسيان وقسوة الزمان، ويحلو ذلك عبر أطلال يختصُّها الشاعر تشهد على الماضي، وتعيد صياغة الأيام الخوالي لتتحرر من وطأة الزمن العدمي وفساد الأمكنة.
لا يرد ذِكر للدَّخول وحومل حتى في الكتب التي عُنيت بالمواقع والبلدان، إلا فيما ندر مثل كتاب «صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار» لعبد الله بن بليهد. فندرك أنهما يقعان في الجزء الجنوبي الغربي من نجد بين بطاح الحجاز البركانية وجبال طويق، والدخول جبل تحته ماء عذب.
أما الرحالة النهم الباحث الهولندي مارسيل كوربرشوك فقد قصد مؤخرا هذين الموضعين وكتب كلاما آسرا. ومن عرض قوله: «.. شققنا أخاديد عبر صحصح شاسع، تحده تلال من الغرانيت وتتخلله نتوءات صخرية مبعثرة. وأشار الرجال الى واحدة من هذه الأطلال: إنها الدّخول!.. كان الماء البارد الزلال تحت الدخول أطيب ماء شربته في الجزيرة العربية .. كانت حومل تبعد 16كم إلى الغرب.. ترتفع أكثر من مئة متر، مطلة على البادية صوب بقايا أخرى من التكوينات الصخرية الشبيهة بأطقم الأسنان المتداعية.. وفي منتصف الطريق سقط اللوى. لوى هو كل ما يلتوى، وسقط هي كتل الصخور التي تدحرجت وما زالت تنتأ من الرمل. قال مقعد البدوي الدليل: «هذا ما كنا نسمي هذه البئر، سقط اللوى .. والحجارة على حافة البئر موجودة من زمن لا أحد يعرف عمرها. أحياناً تغطيها الريح بالرمال وأحياناً تنظفها الريح مرة أخرى من اتجاه آخر».. تذكرت البيت الثاني:
فتُوضِحَ فالمقراة لم يَعْفُ رسمها لِما نسَجتها من جنوب وشمألِ |
ونسج الريحين هو اختلافهما عليها، أي إذا غطتها إحدى الريحين بالرمل كشفت الأخرى الرمل عنها. هنا سقط اللوى .. أهلاً وسهلا، هنا مر الملك الضليل ذات يومٍ، تأمل اللعبة الأزلية للرمل والصخور، وأبصر الملكُ الجليلُ مجدَه المفقود، فصاغ مجداً لا تمحوه الأيام ...
هكذا، استوقف صاحبيه إزاء طلل دارس، وخير الصحبة عند العرب ثلاثة، فأرخى وقته لحنينه وأحبته، فعنَّ على خاطره شيطان الشعر، ثم قال كلاماً دُرَّياً عن الحب والفروسية.. عن الخشونة واللين. هنا جعل الصخر ماءً وجعل الرمل دمعا، فكان «أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى وقيَّد الأوابد». بين الدخول وحومل افتتح امرؤ القيس ديوان العرب.. بينهما تفتقت سوسنات اللغة وانتصبت قامة الشعر اليعربي، هنا تسامقت اللغة العربية دوحة وارفة التباهي. فكيف يكون الدَّخول وحومل مجرد موضعين محايدين في صحراء صامتة، وسقط اللوى يسميها البدو هناك تلَّة أبا القيس؟
|