Thursday 25th July,200210892العددالخميس 15 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أجنحة الكلام أجنحة الكلام
فايز أبا.. أعمدة حكمة
ريمة الخميس

في تقييمنا للحياة الثقافية في فترة من الفترات، نلقي بالأهمية كلها عادة على المبدعين أولاً، فالنقاد والمفكرين هم الذين يشكلون حركة أو اتجاهاً أو تياراً، وهم الذين يرودون مغامرات التجريب والتجديد بابهارها أو فشلها، والنقاد والمفكرون يفسرون ويشرحون ويبشرون ويدعمون، ويعيدون ترتيب ما أنتجه المبدعون في سياقاته وقوالبه، ثم يستنبطون النظرية، إلى آخر ذلك.
ليس في هذا كله شطط أو مغالاة، غير انه يبدو لي ان هناك فئة أخرى، إليها وحدها يعود الفضل بعد الله في ازدهار الحياة الثقافية أو تراجعها، فئة تؤثر الغير على النفس، وتقدم المصلحة العامة على الهم الشخصي، تعمل في الخفاء كجندي مجهول، وتستمد فرحها وانتشاءها من نجاح الآخرين، لأنهم منذ البداية قد حددوا لأنفسهم دور «خادم الثقافة» بمعنى راعيها والساهر عليها، هؤلاء حقيقة هم أعمدة الثقافة الأساسية والحقيقية، التي يستظل بكنفها المبدعون والنقاد والمفكرون. ولكي ندرك أهمية هذا الدور علينا ان نتصور محرراً أدبياً أو مشرفاً على صفحة ثقافية في إحدى المطبوعات اليومية، إذا تميز بالوعي لمسؤوليته، وتحلى بعدالة الموضوعية وبشيم انكار الذات والاخلاص والتفاني أشعل نبضاً مؤججاً في وقع الحياة الثقافية، وإذا كان قد ران الجهل على قلبه قبل عقله وأد ألف موهبة، وقتل ألف عمل جميل، وأخلى الساحة كلها إلا لمن يتملقه أو يردد نغمة من صوته الدميم.
ليس هذا موضوعنا، ولكنها رؤية تمعن في الالحاح عليّ بتأملها كلما تابعت الأخبار الصحية لهذا الرجل النادر فايز أبا.. واحد من رعاة الثقافة، ولكنه وحده يتميز بما يستحيل ان يجتمع في رجل واحد.
محرر أدبي أو ثقافي، نعم، بل نموذج مثالي لهذه المكانة منذ ان كنا نقرأ له في «اقرأ» أو عكاظ أو الوطن، إضافة إلى كتاباته في صحف لا يعمل بها، وكنا نلحظ كيف يلتقط بكل الذكاء أقل بارقة في موهبة جديدة، يتعهدها ويدفع بها، ويظل يساندها إلى ان تنخرط في أداء دورها في الحياة الثقافية، بل امتد ذلك إلى متابعته للأقلام الجديدة وكتابته عنها بكل حدب واخلاص، فضلاً عن إثارته للقضايا كلما أحس نوبة من الكسل في ايقاع الحياة الثقافية، تعيد إليها نشاطها السابق.
أديب مبدع، نعم، ولكنه في كتاباته الإبداعية لم يكن يبحث عن مكسب إضافي، وإنما كان حاملاً لهم كبير لم يجد خلاصاً إلا بإفراغه على جنبات الفن، في قصة تسمق إلى رؤى الشعر، تختار على يديه لغتها الفريدة المجلوبة من عوالم المجاز، أو في نظم يبادر إلى الاعتذار بأنه لم يعمد إلى كتابة الشعر، أو استعارة صوره وأخيلته، ولكن الأمر جاء هكذا..
مترجم، نعم، وإنما أقسم اننا مهما حاولنا ان نستشف أثراً مما تلقي به عادة مشكلات الترجمة، نصدق من خلاله ان ما نقرأه هو ترجمة لعمل أجنبي، لباءت المحاولة بالفشل، أهي معرفة بجسد وروح اللغة الأجنبية كمعرفته التي لا تخفى عنا باللغة العربية؟ أم انها بالأساس سياحة فنان مرهف في عوالم الفن، يتنقل من لغة إلى أخرى كأنما ينقل قدماً عن قدم في خطوة على الأرض؟!
محاور، نعم، بل مشاكس مثل طفل ذكي وشقي، لا يشارك في ندوة أو أمسية إلا وأشعل الاشتباكات وأجج لغة الحوار ربما بكلمة واحدة أو تعليق ساخر يلوذ بعده بالفرار فيُخرج كلُّ غاية ما عنده.. هذا ما لمسناه من تغطية الندوات في الصحف فما بالنا بما كان يدور على ساحة الندوة.
ولكن فايز أبا لا يقنع بواحد من هذه الأدوار، أو بها جميعاً، يحس انه بعد ما يزال مديناً للوطن، وان رسالته لأبناء زمنه وناشئته ما تزال تستوعب جهداً إضافياً له: يعمل بالتدريس، ويعاني وحده في هذه المهنة كل صنوف المعاناة التي مرت بها أجيال من المدرسين فلا يستسلم ويصر على المواصلة، العزاء دائماً وطن لا يسكن هو فيه بل وطن هو الذي يسكن في ضمير فايز وقلبه، يبتهل له مع كل صباح في مدرسة، فيرى وهجاً لأحلام المستقبل التي تزين واجهات ذلك الوطن تتألق على وجوه تلاميذه الصغار، ويخطو به خطوة آخر النهار في رعايته لأبنائه المبدعين، ويطبع قبلة المساء على جبينه بكتابة مؤججة يساند بها حياتنا الثقافية ويثريها، أما ما يتبقى له شخصياً من وقت يشكل حياته الشخصية، فلا يزيد عن طرفة أو فكاهة، هكذا يرى حياته كلها، يواجهها دائماً بضحكة ساخرة لا أحد يدرك معناها..
هذه لمحة عابرة، جد عابرة، عن هذا الرجل، لم يعرف طوال عمره إلا ان يعطي فحسب، فهل نجرب مرة واحدة أن نرد له العطاء بعضاً من الدَّين؟ هو الآن يصارع المرض، ويفزعنا اننا نعرف جيداً انه لن يطلب أو يرجو أو ينتظر مهما اشتدت حاجته إلى العون، بل لعله لا يدرك أصلاً انه تلك القيمة الغالية والثمينة فمن حقه ان يطلب ويغالي في الطلب فيجاب، واننا في مملكتنا الغالية نقدر قيمة الإنسان بكل ظروفه وفي كل مواقعه ونرعاه، نرسل مثلاً طائرة خاصة للاعب كرة من الدرجة الثالثة التوت قدمه!! فما بالنا برجل يعد وحده هو أعمدة حكمة تصنع لهذا الوطن واجهة حضارية مضيئة، وتضع في كل يوم حجراً جديداً في صرح مستقبله.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved