لا أظن الكثير من قراء هذه الجريدة، بل كل الجرايد، سيعرفون فائز أبا، أو على الأقل لن يكون عدد عارفيه بعدد عارفي من هم أقل منه شأناً بكثير من نجوم حياتنا العامة. لا لأن فائز غير مشهور، ولا بالطبع لأنه غير جدير بأن يعرف أو يكون مشهوراً، وإنما لأن هذا هو حال الثقافة العامية التي تجعل لاعب كرة قدم أو مطرب شعبي أشهر وأهم لدى كثير من الناس من أكبر مثقف أو عالم، أو مبدع في مجالات الكلمة أو التشكيل أو غير ذلك. وهذا مع الأسف هو الحال في معظم البلاد، فليس من الممكن لأشهر الادباء أو العلماء أن يكون بمكانة أشهر اللاعبين أو المغنين، لذا فإن جرحاً صغيراً يصيب أصبع اللاعب الفلاني، أو توعكاً بسيطاً يلم بالمطرب العلاني، يحظى بالعناوين الرئيسة في إعلام حريص على تلبية رغبات الجمهور، بينما قد لا يحظى ذو الثقافة والعلم بربع ذلك الاهتمام.
لكن بالطبع تبقى تلك القلة من الناس الذين يهمهم رجل اسمه فائز، أو بالأحرى فايز أبا، ويقدرون سعة ثقافة الرجل واسهاماته وحرصه على الطرح الثقافي الجاد، كما يقدرون له شجاعته في مواجهة الضعف والسطحية حيثما كان مصدرهما. ولكن مشكلة فائز هي أن القلة المشار إليها لا تستطيع أن تفعل له الكثير في محنته، فهي لا تملك ما يكفي من الامكانيات للوقوف معه، ولا تملك الحظوة الكافية لدى من يملكون تلك الامكانيات لكي يقفوا معه مثلما يقفون مع اللاعب والمطرب وغيرهما لكي يجدوا العلاج في باريس وكليفلاند. ومن هنا فإن حال تلك القلة كحال المتنبي حين قال:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ولكن المشكلة هي ايضاً أن امثالي منهم لا يملكون قدرة المتنبي على المديح العظيم، لا يملكون تلك اللغة والمخيلة الخارقتين ليتمكنوا من اعطاء كاتب أو عالم حقه.
ولكنك حين تتأمل في الأمر ملياً تجد أن مشكلة فايز أولاً في نقله من القاهرة ثم في عدم العثور على العلاج في المكان المناسب، بعد أن اصيب بجلطة اثناء زيارة للقاهرة مؤخراً، هي مشكلتنا جميعاً كوطن ومؤسسات، بل إنها تشمل حتى اولئك الأكثر شعبية وشهرة من فايز أبا، أي اللاعبين والمطربين. فهؤلاء ليسوا سوى محظوظين (وليس كلهم بالتأكيد)، والمشكلة هي أن الحظ يلعب دوره احياناً واحياناً يتقاعس. المشكلة هي في غياب المؤسسات أو التنظيم المؤسسي الثابت والقادر على استيعاب حالات مثل هذه، فلا صندوق ادباء، ولا مؤسسة ثقافية لديها الاستعداد، أو يسمح لها النظام، للتخلي عن بعض مشاريعها الثانوية، فحتى متى سنظل نعتمد على كرم المسؤول أو الثري؟ إنها مسؤولية تشملنا جميعاً، ولكن القادرين على الاضطلاع بها أكثر مساءلة. ولا شك أن الذهن سيتجه هنا إلى جهتين رئيسيتين، القطاع العام، متمثلاً بالرئاسة العامة لرعاية الشباب بقطاعاتها المتصلة بالثقافة كجمعية الثقافة والفنون والاندية الادبية، والقطاع الخاص، كما أن الذهن سيدرك مما يرى أن القطاع العام لا يملك دائماً الامكانيات المادية وأنه مكبل احياناً بتنظيمات تحول دون اضطلاعه وحده بالمسؤولية في مثل هذه الحالات.
من هنا كان من الطبيعي أن يتجه التفكير إلى القطاع الخاص، وفي هذه الحالة فإن الدعم الفردي العاجل مطلوب، بل هو واجب على المقتدر، لأن الدعم هنا ليس لفرد أو افراد عاديين، وانما هو لاناس يسهمون اسهاماً فعالاً في بناء بلادهم بنشر الوعي الثقافي واعلاء شأن الوطن، لكن الدعم الفردي وإن كان ضرورياً على المدى القريب فإنه لن يكون كافياً على المدى الابعد، ذلك أنه سيعني الاستمرار في الاعتماد على الصدفة والاريحية الشخصية التي قد لا تتوفر دائماً. المطلوب هو الدعم المؤسسي المنظم الذي يسهم فيه القطاع الخاص كما يسهم القطاع العام، وهذا ما أود التوصل إليه كمقترح لحل مشكلات بل وكوارث من النوع الذي قد يحل بأحد سواء كان رياضياً أم أديباً أم غير ذلك ممن يعملون في قطاعات لا تستطيع حتى الآن الاعتماد على نفسها.
إن انشاء مؤسسة خيرية مشتركة التمويل من القطاعين العام والخاص قد يكون الحل الامثل لأنه من الطبيعي أن يتوقع كل من القطاعين مجيء الدعم من القطاع الآخر. وفي كلتا الحالتين فإن الصفة المؤسسية ستكون الحل الافضل لأن التنظيم والمسؤولية سيكفلان الاستمرار في أداء الخدمة. وإذا كنا نطالب القطاع الخاص بأداء ما عليه من واجب فإن من حق ذلك القطاع الا نطالبه وحده، وألا نبالغ في مطالبنا، فلا شك أن رجال الأعمال الذين لا يطالبهم أحد بدفع الضرائب كنظرائهم في كثير من دول العالم مسؤولون عن بعض ما يصل إليهم من خيرات الوطن، ويتوقع منهم المزيد من البذل، لكن هذا الدور لا يقلل ابداً من دور الدولة بل المطلوب هو التكامل في الادوار، وهو ما يمكن أن يحدث في مثل الحالة التي اشير إليها.
إن اديباً وناقداً مميزاً مثل فايز أبا ليس الوحيد الذي يحتاج إلى الوقوف معه، وإنما هناك غيره كثير ممن لا يعرف الجميع حالتهم. وقد سبق لنا أن فقدنا بعض اولئك ولم تتضح لنا اوضاعهم المأساوية إلا بعد أن تعذر العون، كما في حالة الفنان التشكيلي الرائد محمد السليم رحمه الله الذي قضت الديون مضجعه فمات دونما عون. وليت اولئك لقوا ما يستحقون من تكريم حتى بعد فقدهم، فالسليم كما أعلم لم يحظ بالتكريم الذي يستحق سواء بتسمية شارع أو معرض باسمه، أو غير ذلك مما يستحق، ومما يرفع معنويات الاحياء والمعافين من المبدعين.
أخيراً ولمن لا يعرف فايز أبا اضيف بأنه أحد القلائل بين ابناء جيله الذين اهتموا اهتماماً جاداً بالترجمة وبدراسة الآداب الغربية على نحو مستوعب ومسؤول وقدم اعمالا جادة في مضمارهما. كما أن نشاطه الصحفي والحس النقدي الذي اتضح من كتاباته اثناء نشاطه في الصحافة الثقافية ليس من الانواع الشائعة، وإنما هو مثقف متميز انعكست ثقافته فيما قدمه للساحة الثقافية عبر ما لا يقل عن عشرين عاماً. وإذا كنت شخصياً أدين له بالكثير من الفضل كأحد الذين تعرفوا به وأفادوا منه، فإن قيمته بالنسبة للساحة الثقافية العربية ليست بالقليلة، ومن المؤكد أن هناك الكثيرين ممن يشاركونني الشعور لا بقيمته الثقافية فحسب وإنما بتقدير صلاته بالآخرين ومحبته لهم ومحبتهم له. عافى الله فائزاً ومكنه من مواصلة نشاطه الذي نحبه ونحتاجه.
ملاحظة:
في مقالة الاسبوع الماضي «من شمشون إلى شارون» حدث خطأ في صف المقالة حيث أدمج أحد الاقتباسات من مقال الكاتبة البريطانية في كلامي مما قد يوقع بعض اللبس لدى القارئ، والفقرة المشار إليها هي التي تبدأ بقول الكاتبة :«يفتقر شارون إلى العلاقة المباشرة بالله» إلى نهاية الفقرة.
|