لا يصطلي بنار المحن إلا أصحاب المعادن الأصيلة لأنها تزيدهم لمعاناً، وهذا هو سلمان بن عبدالعزيز يصطلي بنار محنة أخرى على مدار العام فيتقبلها صابراً محتسباً وهل الصبر إلا عند الصدمة الأولى؟
إن من يتفرس في ملامح وجه سلمان بن عبدالعزيز وهو يتلقى خبر وفاة ابنه «فهد» رحمه الله في مثل هذا الشهر من العام الماضي سيجد الملامح نفسها وهو يتلقى خبر الابن الثاني «أحمد» رحمه الله إنها ملامح الصبر العظيم والاحتساب لله والتسليم المطلق بقضائه وقدره.
لقد وقفت طويلاً أمام صورته لحظة هبوطه من الطائرة فلم أجد إلا وجه الرجل المؤمن القوي في إيمانه، الواثق بأن لله ما أعطى ولله ما أخذ.
وليس من شك في أن الله سبحانه وتعالى لا يبتلي إلا المحبوب من عباده ليختبر إيمانه ويمحص معدنه، وقد أدرك سلمان بن عبدالعزيز هذه الحقيقة عند الصدمة الأولى، وأدرك حكمة رب العالمين فيها، ورأيناه يذرف دمعه لحظة وداع «فهد بن سلمان» فلم نستغربها ولو علم سلمان بن عبدالعزيز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذرف دمعه على ابنه إبراهيم لحبسها سلمان اقتداء بسيد الخلق، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرسم لنا القدوة في إتاحة الإسلام للرجال في التعبير عن مشاعرهم الإنسانية وما أكبر وأعظم دموع الرجال حين تتساقط، هذا ما وقر في روع صحابة رسول الله وهم يردون دمعته وهو يقول: «إن العين لتدمع وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون».
واليوم تسيل دموع أخرى مدة ثانية على «أحمد بن سلمان» ومن خلفها قلوب المحبين لسلمان وآله من أبناء هذا الشعب الوفي الذي لم يجد في سلمان وأبنائه إلا باباً مفتوحاً للخيرات والمكارم والمروءات، وما أولاد سلمان إلا قبس من روح سلمان، وما تنطفئ شمعة أضاءتها روح سلمان إلا وازدادت هذه الروح الصابرة المؤمنة نوراً وضياء.
وما وقفة هذا الشعب مع سلمان بن عبدالعزيز في محنته وامتحانه إلا وقفة وفاء ومروءة تسري فيها روح الصدق وتجسيد الوفاء عبر موجة الحزن العارمة التي خيمت على القلوب.
ولكن يبقى سلمان بن عبدالعزيز هو الأمل الوطيد، والعمل المستمر، والإيمان الراسي كالجبال، يضيء القلوب في ظلمة الحزن بحسن خلقه مع شعبه ومودته له، ويضرب المثل للجميع بكل تلك القيم، وكأني بلسان حال شعبنا يقول اليوم له.
تضيئك أخلاق تنير ظلامنا ونفس تضخ الود للناس صافيا |
هذا هو سلمان بن عبدالعزيز وهذه أحزانه العظيمة ولكن أعظم منها صبره وشجاعته ورجولته وإيمانه واحتسابه يعلمنا من خلالها الدروس التي خصه بها ربه لخيتبره.
أما الخسارة في «فهد» ومن بعده «أحمد» فهي ليست خسارة سلمان وحده ولكنها خسارة الشعب السعودي كله وحزنه فليخلف الله علينا جميعا فيهما، وليكونا شهداء لأبيهما بين يدي رب العالمين بحسن التربية والخلق وإيمان الصبر والاحتساب.
{إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ}
|