من المؤكد ان الحياة العلمية في هذه البلاد تطورت كثيراً غير أنه في الجانب الآخر يلحظ المتأمل ضعف مخرجات التعليم الكيفية مقارنة بضخامة المخرجات الكمية ويرجع العارفون ذلك بالدرجة الأولى الى ضعف المعلمين وغلبة القصد المادي عند المتعلمين حيث اصبح الهم الأكبر للمعلمين وللمتعلمين هو تحصيل شهادة او وظيفة تضمن مستقبلاً مادياً مأمولاً.
وللتغلب على هذه المعضلة التي كانت سبباً في انحراف قطار العلم عن مساره الصحيح نذر بعض العلماء أنفسهم للتعليم في حلق العلم بالمساجد وغيرها لتدريس العلم للعلم وابتغاء الأجر من الله عز وجل، ولقي ذلك اقبالاً منقطع النظير وشجع هذا التوجه المبارك نشوء عدد من الحلقات العلمية بالجثو عند ركب العلماء في مختلف مناطق المملكة لدراسة أشهر المتون العلمية التي ألفها علماء الأمة الأقدمون في مختلف فنون العلم، مما أوجد حاجة ماسة الى التسهيل على المتعلمين في تلك الحلق بتقديم تلك المتون العلمية لهم في صورة زاهية سهلة المراجعة ومجموعة ليسهل نقلها الى تلك الحلق.
ومن المحاولات في هذا المجال قيام دار الوطن للنشر بالرياض هذا العام 1423ه بإصدار الطبعة الاولى من كتاب «الجامع للمتون العلمية» الذي تضمن اثنين وثلاثين متناً عُنِي بجمعها وضبطها والتقديم لها عبدالله بن محمد الشمراني، الذي اشار في مقدمة الكتاب الى اهمية العلم والنصوص الواردة في فضله ونوه الى ان المتون العلمية التي تدرس في الدورات العلمية هي لأئمة مشهورين وانها على صغر حجمها من أجمع وأحكم وأنفع ما كتب في بابه. ثم ذكر ما امتاز به كتابه عن غيره من الكتب التي جمعت بعض المتون العلمية مشيراً الى تنوع مادته حيث شمل علوم القرآن الكريم والعقيدة والحديث وعلومه والفقه واصوله ومختصر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير اصحابه العشرة صلى الله عليه وسلم والوصايا والزهد والآداب والحكم والنحو والصرف. كما انه اضافة الى تقسيم المتون بحسب علومها قابل اكثر المتون العلمية على اكثر من نسخة لتلافي النقص والخطأ في بعض الطبعات كما قام بضبط كامل المتون بالشكل، وانه قام بوضع مباحث تمهيدية تساعد طالب العلم على تكوين صورة إجمالية للعلم الذي يقرأ فيه، حيث تضمنت هذه المقدمة مبادئ العلوم العشرة للعلم وهي حد العلم وموضوعه وثمرته ونسبته الى غيره من العلوم وفضله وواضعه واسمه واستمداده وحكمه ومسائله. كما تضمنت مراجع العلوم الشرعية والعربية والتاريخية، وتضمنت ذكر مراجع مختارة في الكلام على العلم وفضله والحث عليه والمنهج في طلبه، وكان من ضمن تلك المباحث التمهيدية التعريف بالمتون العلمية الواردة في الجامع وبمؤلفيها.
كتاب «الجامع للمتون العلمية» جهد موفق انفق فيه جامعه جزءاً كبيراً من وقته وجهده ولاسيما مابذله من جهد لمطابقة بعض المتون بأصولها جعل الله ذلك في موازين حسناته، كما زانه اخراج طبعته في حلة قشيبة بحروف طباعية جميلة وواضحة ولون ورق مريح للنظر وبسعر منخفض بالنسبة للكتب المماثلة ليسهل لطالب العلم اقتناؤه. وكان جميلاً وموفقاً تخصيص عدد من الورق في آخر الكتاب لتدوين فوائد وتعليقات قارئه.
إلا أنني اجتهادا بقصد تتميم فائدته أشير الى بعض الملحوظات التي لحظتها في الكتاب وهي نتاج وجهة نظر شخصية ذات طبيعة اجتهادية. فمن ذلك انه ذكر في غلاف الكتاب كلمة اعتنى، حيث وردت هكذا «اعتنى بجمعها وضبطها وقدم لها عبدالله بن محمد الشمراني» والذي اعرفه ان الأولى هو «عُنِيَ» بالبناء للمجهول، اما كلمات مثل ملحوظة وملاحظة ونحوها فقد يقع الاختلاف فيها بين المختصين ومثلها دور الكلمة الفارسية التي أقرتها بعض المجامع اللغوية فلا مجال للحجر على مستخدم يستخدم أياً منها.
ومن الملحوظات ان المؤلف اشار الى انه رجع الى عدة نسخ مخطوطة لبعض المتون إلا أنه لم يذكر تلك النسخ المخطوطة ولأي المتون هي فضلاً عن معلوماتها المكتبية وإرفاق صور من ورقاتها وكذلك لم يذكر النسخ المطبوعة التي رجع اليها تحديدا سوى في موضع او موضعين نص فيهما على استفادته من نسخ مطبوعة. وفي المبحث التمهيدي الثاني ذكر المؤلف وفقه الله مراجع العلوم الشرعية والعربية والتاريخية الا انه لم يوفق في رأيي في تصنيف تلك المراجع منهجياً، ولا في اختيار ما اختار منها وكان اول كتاب ذكره وهو «مرجع العلوم الاسلامية» للدكتورالزحيلي قد حظي منه بملحوظتين اقرب وصف لهماانهما قادحتان وليستا ملحوظتين فحسب مما يوجب إعراضه عن ذكر الكتاب الا اذا لم يكن هناك غيره في بابه والواقع خلاف ذلك.
وإحقاقاً للحق فإن المؤلف جزاه الله خيراً التزم منهجاً جميلاً في المبحث التالي لذلك المبحث مباشرة وهو «مراجع مختارة في الكلام على العلم وفضله والحث عليه والمنهج في طلبه» حيث قسم هذه المراجع الى ثلاثة اقسام، فذكر الكتب المسندة، ثم الكتب غير المسندة، ثم الكتب والرسائل المعاصرة، والالتزام بهذا المنهج في كل المباحث ولا سيما من حيث التسلسل العلمي والزمني للمراجع العلمية هو الأدق والأشمل في نظري.
وفي صفحة 43 وقع خطأ في اسم كتاب «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم» حيث ورد «تذكرة السامع والمتكلم في آداب السامع والمتعلم» وفي صفحة 58 نقل المؤلف اسماء شروح كتاب التوحيد من كتاب الدليل الى المتون العلمية للشيخ القاسم. ولكنه لم يشر في الهامش الى كتاب «عناية العلماء بكتاب التوحيد» لعبدالإله بن عثمان الشايع، نشر 1421هـ برغم انه أشمل مما ورد في الدليل حيث جمع الشايع شروح كتاب التوحيد المطبوعة والمخطوطة والمفقودة والمسجلة وهو مالم يجمعه الدليل ولا سيما انه اشار في صفحة 69 الى كتاب راشد الغفيلي عن الاربعين النووية «إتحاف الأنام...» وفي حاشية صفحة 59 اشار مؤلف الجامع الى انه سيقوم بتحقيق «تيسير العزيز الحميد» ثم يتبعه «فتح المجيد» و«قرة عيون الموحدين» و«القول السديد» من نسخ خطية، وهذه الكتب تكرر تحقيقها وطباعتها وبعضها يعمل على اخراجه الدكتور وليد الفريان وغيره فلماذا لاتوجه الدراسات الجادة نحو كتب اخرى يحتاج اليها طلبة العلم مما لم يسبق تحقيقه؟ وفي صفحة 65 ذكر تاريخ وفاة الشيخ محمد بن مانع 1394هـ وهذا غير صحيح والصواب انها سنة 1385هـ ومنشأ الخطأ هو ان مؤلف الجامع نقل هذا التاريخ عن اشرف عبدالمقصود في تحقيقه بعض كتب ابن مانع التي نشرتها دار اضواء السلف وهو خطأ من المحقق تابعه عليه آخرون. وفي صفحة 89 ذكر مؤلف الجامع ميمية ابن القيم وأورد شرح مصطفى عراقي وقال: لااعرف احداً شرحها غيره في حين نشر شرح سعد المزعل لها في مجلة الحكمة ثم طبع مستقلاً عن طريق دار ابن حزم في بيروت.
واود التنبيه الى فائدة تكميلية ليعم نفع الكتاب وتسهيل الاستفادة منه وهي ضرورة وضع فواصل حقيقية او وهمية بين موضوعات الكتاب. فجزء الدراسة متصل بالجزء المخصص للمتون العلمية واذا كانت حاجة مستخدم الكتاب لجزء الدراسة ستنتهي عند قراءته اول مرة في الغالب فإن حاجته للمتون ذاتها اكثر بل قد تكون الوحيدة في حال الدرس، بل إن حاجته الى ما يميز كل متن عن غيره ضرورية لتعدد الدروس وتقارب وقتها في الغالب فيضطر مستخدم الكتاب الى طي الصفحات مما يعرضها للتلف او وضع فواصل خارجية طبيعتها الحركة فتتعبه عند البحث عنها.
وهناك عدة طرق معروفة لدى المطابع والناشرين يمكن اللجوء اليها للتغلب على هذه المشكلة مثل تلوين الورق وهو افضل وإن ارتفعت كلفته، او استخدام الخيوط بعدة الوان لتمييز كل متن وغير ذلك مما يسهل الوصول الى الجزء المراد من الكتاب في اسرع وقت ممكن. ومن هنا جاءت فكرة طبع وضبط المتون العلمية مجزأة ليسهل الرجوع اليها وحملها كما هي الحال في تجربة يوسف العتيق التي نشرتها دار الصميعي، وتجربة دار طويق وغيرها.
وبخصوص فائدة الكتاب وموضوعه هناك سؤال قد يثار بل قد أثير مما يستلزم جواباً شافياً هو: هل الحفظ هو الأسلوب الأمثل او حتى الصحيح ليسوغ لنا ان نتعب شيبنا وشبابنا بحفظ هذه المتون ونشغل بها اوقاتنا؟
والجواب أن الحفظ هو مادة تدريب الذاكرة والإدراك والفهم، وبدون تدريب تموت خلايا تلك الامكانات، والذي يجب توجيه السؤال نحوه هو: كيف نختار مانحفظ؟ فرأس الحفظ وأفضله هو حفظ كتاب الله، والجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن حفظاًَ هو كالبيت الخرب، ثم بعد ذلك حفظ المتون العلمية، وعلى رأسها متون السنة النبوية المطهرة. والذي يكرهه العقلاء حقاً هو التلقين المجرد من الفهم والإدراك، وإلا فإنه يستحيل أن يتحقق الفهم بدون حفظ، وبالله التوفيق.
|