* موسكو-
خدمة الجزيرة الصحفية:
لم تأت وكالة «إنترفاكس» بأي جديد عندما استندت إلى اللجنة الروسية للإحصاء معلنة أن أعداد الروس مستمرة في التناقص وإنها تراجعت حوالى 400 ألف نسمة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2002، ولا يعرف أحد من أين جاءت لجنة الإحصاءالروسية أو وكالة أنباء «إنترفاكس» بإحصاءات في غاية الدقة بشأن حالات الوفيات والمواليد من قبيل أن روسيا سجلت خلال هذه الفترة 567700 ولادة مقابل 998300 وفاة، وحذرت اللجنة من أن العدد الحالي للسكان وهو 6ر143 مليون نسمة سيتراجع إلى 131 مليونا عام 2020 وإلى 9 ،101 مليون نسمة عام 2050، وذلك لسبب بسيط جدا وهو أن جميع الأعداد تقريبية للغاية إذ إن جميع لجان الإحصاء في روسيا مشغولة منذ بداية عام 2002 بمشروع ضخم جدا ألا وهو «إحصاء سكان روسيا»، من جانب آخر، وبشكل جزئي، فهذه الأرقام الدقيقة تبدو تقريبية بالنسبة الى أرقام أخرى أكثر خطورة تبشر بأزمة ديموجرافية في روسيا ذات الأراضي مترامية الأطراف، والثروات الطبيعية المتنوعة واللانهائية، فالسنوات العشر الأخيرة أظهرت بشكل أو بآخر مدى ما تعيشه روسيا من أزمات في جميع المجالات بما فيها ميدان التسليح الشيء الوحيد الباقى من تركة الاتحاد السوفيتي جاعلا روسيا في مصاف الدول «الكبرى»، ولكن الجانب الديموجرافي بدأ يثير ليس فقط قلق السلطات الروسية، وإنما أيضا العلماء والمختصين بشكل لم يحدث أبدا في تاريخ روسيا إلا مرة واحدة : بعد الحرب العالمية الثانية والحكم الستاليني حيث تم فقدان ما يقرب من 25 مليون سوفيتي أغلبهم روس في حربهم الوطنية ضد ألمانيا النازية، وحوالي20 مليون آخرين في المعتقلات الستالينية.
انهار الاتحاد السوفيتي رسميا في نهاية 1991 عندما وصل عدد سكان روسيا إلى 150 مليون نسمة، وفي نهاية عام 2000 تراجع عدد السكان إلى 145 مليون، منها بدأت المشكلة الديموجرافية تهدد مستقبل روسيا بتركيبتها العرقية والدينية والانهيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أبعاد ديموجرافية مخيفة
كانت دائرة الإعلام الحكومي
الروسية قد أعلنت مؤخرا أن عدد سكان روسيا سوف يتناقص حتى عام 2005 ب 8 ،2 مليون نسمة (من 2 ،144مليون إلى 4 ،141 مليون)وقد تحدث تغيرات غير مرغوب فيها في التركيبة السكانية، الخطير في الأمر أن عدد السكان الشباب سيقل خلال هذه الفترة وفقا لحسابات اللجنة الدولية الروسية للإحصاء ب5 ،5 ملايين نسمة (من 8 ،2 مليون إلى 3 ،22 مليون)، وعلى الرغم من أن عدد السكان المؤهلين للعمل سوف يزيد ب6 ،2 مليون نسمة (من 1 ،87 مليون إلى 7 ،89 مليون) إلا أن هذا العدد سوف يتقلص بعد عام 2005 بشكل مطلق في الفترة من 2006 إلى 2015 بمقدار 4ر7 ملايين نسمة ، على ضوء ذلك أعلن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف أن تدني عدد السكان في روسيا يتخذ أبعادا مخيفة، ووفقا لما صرح به فتقلص عدد السكان يعود إلى تدني نسبة الولادات، والوفيات المبكرة بين الرجال، والوقاية السيئة، والوفيات نتيجة الإدمان على المشروبات الكحولية، وهو ما يتفق تماما مع ما يقوله الخبراءوالمختصون، حيث يعتبر فعلا الإدمان على الكحول والنظام الصحي المتدهور بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أهم الأسباب وراء ارتفاع معدل الوفيات بين الذكوربصورة خاصة، وأشار كاسيانوف إلى أن تقلص عدد السكان القادرين على العمل ليس فقط مشكلةاجتماعية وإنما المفصل الذي يتوقف عليه تطور روسيا في السنوات القادمة حيث التنمية الاقتصادية - الاجتماعية سوف تعتمد بالدرجة الأولى على توافر الأيدي العاملة بالذات وبشكل عام، وعلى الأخص الأيدى العاملة الماهرة والمدربة، ووصف كاسيانوف عام 1999 بأسوأ الأعوام حيث تناقص فيه عدد سكان روسيا بمقدار 768 ألف نسمة (بنسبة 5 ،0%).
تقلص إجمالى سكان روسيا رغم الزيادة
في تقرير للجنة إحصاء السكان تبين أن عدد سكان روسيا قد ازداد خلال القرن العشرين بنسبة 99%، ففي عام 1901 كان عدد السكان 75 ،72 مليون نسمة، وفي نهاية القرن العشرين بلغ 145 مليون، وقد وصلت نسبة زيادة السكان في روسيا خلال النصف الأول من القرن إلى 5 ،41% (كانت نسبة الزيادة من عام 1901 إلى1917 حوالي 25%)، وفي النصف الثاني من القرن وصلت إلى 41%، ومن عام 1951إلى 1990 ازداد عدد سكان روسيا بنسبة 44%، ومن 1991-2000 قل بنسبة 4ر2%.
الجدير بالذكر أن عدد سكان روسيا القيصرية بحلول عام 1914 (الحرب العالميةالأولى) وصل إلى 9 ،89 مليون نسمة، ومع بداية عام 1917 (انتهاء الحكم القيصرى)وصل إلى 91 مليونا، وخلال الحرب الأهلية (1918- 1922) تراجع عدد السكان إلى 8 ،87 مليون نسمة، وفي عام 1937 وصل إلى 93 ،104 ملايين ، وفي عام 1941 إلى36 ،111 مليون، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تراجع عدد سكان روسيا (وفقا لإحصاءات 1951) إلى 9 ،102 مليون نسمة ثم ازداد عام 1961 إلى 7 ،120 مليون، وفي يناير 1991 بلغ 5 ،148 مليون ليتراجع بعد ذلك إلى 145 مليون نسمةعام 2000.
الاستقطاب الداخلي
لم تنكر دائرة الإعلام الرسمي
الروسية أن هناك حاليا استقطاباً أو هجرة داخلية تحدث داخل روسيا نفسها، ولعل خطورة هذا الأمر تكمن في التركيبة الإثنية لسكان روسيا من ناحية، ومساحتها من ناحية أخرى، فقد حدث نمو مطلق ونسبي لتعدادالسكان من ممثلي القوميات الأصلية، فيما سجلت هجرة السكان الروس من عدد من جمهوريات روسيا الاتحادية نسبة عالية للغاية، هذا الأمر في جمهورية فيدرالية يشكل خطورة على أغلبية السكان وهم في هذه الحالة من الروس، وقد نزح من جمهورية الشيشان حوالي 95% من الروس، وغادر 20% من الروس أيضا جمهورية داغستان، وأعلنت دائرة الإعلام في تقرير رسمي أن اتجاهات الهجرة الداخلية المتغيرةمقارنة بالسنوات السابقة تؤدي إلى تقلص تعداد السكان في المناطق الشماليةوالشرقية في روسيا، وهي المناطق الأغنى من حيث الموارد الطبيعية، هذا الأمريشكل خطورة على الاقتصاد الروسي وخطط الاستثمار التي تضعها الحكومة الروسية على أولويات برامجها الاقتصادية للتنمية.
ووفقا للإحصاءات الرسمية فقد تقلص عدد سكان جمهورية تشكوتكا الشمالية خلال السنوات العشر الأخيرة بنسبة 50%، ومقاطعة ماجادان الشمالية أيضا بنسبة 36%،وفي دائرة كورياتسك بنسبة 26%، وفي دائرة أفينسكى بنسبة 25%، وفي مقاطعة كامتشاتكا بنسبة 18%، وبالنسبة نفسها في دائرة تاييمير، وفي سخالين بنسبة 17%.
وعلى الرغم من هذا التناقص يشير الخبراء إلى أن عدد السكان يعتبر فائضا نسبيا في ظروف النمو الاقتصادي المتدنية الموجودة في روسيا، بيد أن نزوح الجزء النشط اجتماعيا يساهم أيضا في تردي البنية السكانية ويهدم القدرة العملية المكيفة للظروف الطبيعية في هذه المناطق، وسوف يخلق ذلك على المدى البعيد مشكلات اقتصادية واجتماعية، وربما إثنية وتاريخية نظرا لأن مصالح روسيا الاستراتيجية متركزة في هذه المناطق.
هجرة العقول الروسية
قبل عشر سنوات لم تكن روسيا
تعاني نقص الكوادر المتخصصة أو القصور في تأهيل العقول المدربة، والآن يعلن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف أن عدد الاختصاصيين والعلماء في روسيا قد انخفض بنسبة مرتين في السنوات العشرالأخيرة.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام روسيا الاتحادية أصبح من الممكن السفر والتنقل بحرية تامة، غير أن الناس العاديين في روسيا لا يملكون إلى وقتناهذا الإمكانيات المادية لهذا الترف نظرا لتدني مستوى المعيشة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضرب عصب الاقتصاد الروسي، ومع ذلك فروسيا تواجه اليوم واحدة من المشكلات التي تهدد قاعدتها العلمية بالخطر، فمع انخفاض عدد العلماء الهائل وانخفاض الطلب على العقول المدربة بدأت السن المتوسطة للعلماء الشبان في الازدياد الأمر الذي جعل رئيس الوزراء والأوساط العلمية والاجتماعية يعلنون عن قلقهم، وفي بداية الإصلاحات الديمقراطية في روسيا نزح عدد هائل من الاختصاصيين، وفتحت دول أوروبا وأمريكا وإسرائيل وألمانيا أبوابها لهؤلاء الشبان ذوي الكفاءات العالية نظرا لرخصها وارتفاع كفاءتها، واستمرت هجرة العقول الروسية في ازدياد مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن بدأت الحكومة الروسية تدق ناقوس الخطر.
ورأى بعض الخبراء الروس مثل المحلل السياسي بوريس بتروف أن هجرة العقول الروسية لا تشكل خطرا كبيرا، بل وتعتبر إضافة إلى ثراء روسيا باعتبارها مصنعا للكوادرالعلمية والتقنية، ومن ثم فروسيا ليست فقط دولة مصدرة للنفط والغاز والموادالخام، وإنما أيضا للكوادر الثقافية والفنية والعلمية، ورأى بتروف أن هذا الأمر مؤلم لعدم الاستفادة الكاملة من هذه الطاقات التي تتلقى تعليمها مجانا في روسيا ثم تتركها بعد ذلك.
الجدير بالملاحظة أن التعليم المجاني في روسيا قد بدأ في الانقراض، إضافة إلى سوء النظم التعليمية وانخفاض مستوى التعليم بشكل عام وهو الأمر الذي يهدد العلوم الروسية على أرض الواقع، في هذا السياق رأى مدير متحف الإرميتاج بوريس بيوتروفسكي أن هذه القضية لا تمثل أي خطورة على روسيا مشيرا إلى أن المخرج من هذه الأزمة هو وضع سياسة استراتيجية صحيحة تقضي بعدم القلق وعدم اتهام الآخرين، وإنما بتحويل الأمر كله إلى مصلحة روسيا، وخلق الظروف المواتية لعودة الأدمغة الروسية إلى الوطن بعد أن تكون قد عملت على التقنية الأجنبية وبأموالها.
المثير في الأمر أنه بعد ثورة 1917 هاجر من روسيا حوالي 2 مليون شخص بحلول عام 1921 ، وخلال سنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين هاجر من روسيا حوالي10 ملايين على الرغم مما يشاع حول مسألة الحريات السياسية التي تسببت في الهجرة التي حدثت في بداية القرن، فالروس حصلوا على حرياتهم السياسية كاملة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فماذا حدث؟! الأخطر هنا هو هجرة العقول المدربةالتي يصل عدد أصحابها سنويا إلى أكثر من 1000 عالم ومتخصص، وفي الوقت الذي يعتبرهم فيه المحللون السياسيون والخبراء مصدرا من مصادر الدخل القومي لروسيا، تعتبرهم القوى الوطنية الروسية الطابور الخامس الذي يشكل خطرا على روسيا نفسها وعلى علاقاتها التاريخية والسياسية بحلفائها التقليديين، ولعل أوضح مثال لذلك هو هجرة اليهود الروس مليون و200 ألف شخص يحارب معظمهم اليوم في صفوف الجيش الإسرائيلي بعد أن حمل العديد منهم الكثير من الملفات والاختراعات التي تلهث روسيا وراءها تارة بالتعاون المشترك (العسكري أو الأمني) مع إسرائيل، وتارة أخرى باستعادتها عن طريق أجهزة الاستخبارات أو بعقد صفقات مشبوهة.
آخر الإحصاءات الرسمية!
شهد عدد سكان روسيا على مدى السنوات العشر الأخيرة، وبسبب زيادة الوفيات على الولادات، انخفاضا يقدر بـ 700-800 ألف نسمة سنويا، وخلال نصف قرن سيكون عدد سكان روسيا 85 مليون نسمة بدلا من 146 مليون كما هو الحال عليه الآن.
وبكلمات رئيس الوزراء الروسي نفسه، فقد بدأت مسيرة الهجرة إلى روسيا في التسعينات من القرن العشرين، وجاءت عفوية تماما نتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي، ففي عامي 1992-1993 تدفق السيل الأساسي من النازحين إلى روسيا، وخاصة من أذربيجان وجورجيا وطاجيكستان ومولدافيا، وفي عامي 1994-1995 كثرت الهجرة من كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرجيزيا، وفي أعوام 1996- 1998 استمرت الهجرة بمعدلات أعلى من جمهوريات كازاخستان وأوزبكستان بشكل رئيسي، إلا أن هذا السيل قد بدأ ينضب تدريجيا، فإذا كان عام 1994 قد شهد تدفق أكثر من مليون نسمة إلى روسيا، ففي عام 2001 لم يتجاوز عدد النازحين 338 ألف نسمة.
الموت الخارق
في تصريح لنائب رئيس أكاديمية العلوم الطبية الروسية يفجينى تيشوك قال إن الوضع السكاني في روسيا قد تجاوز الخطوط الحمراء، وخرج عن نطاق المشكلات الصحية ليدخل إلى منطقة مخاطر الأمن القومي الروسي، وحذر من أن عدد سكان روسيا الذي يبلغ حاليا 149 مليون نسمة سينخفض بحلول عام 2050 إلى 60-90 مليوناً، وهو ما يعني ظهور مشكلات في الاقتصاد الروسي، وعدم إمكانية سيطرة الحكومةالروسية على مساحات الأراضي الشاسعة والمصادر الطبيعية، وأشار إلى أن نسبة المواليد في روسيا في انخفاض مستمر، ففي عام 1987 بلغت المواليد 2 ،17 طفلاً الكل 1000 نسمة، وفي عام 2001 انخفضت إلى النصف، بينما ارتفعت نسب الوفاة بين السكان إلى الضعف، ومنذ عام 1992 إلى يوليو 2001 فقدت روسيا 5 ،7 ملايين من سكانها، وهو ما يعادل اندثار 17 إقليماً روسياً من أقاليم المركز الكبرى.
كما أعرب عن قلقه إزاء انخفاض متوسط عمر الرجل الروسي، واصفا ذلك ب «الموت الخارق» ، ورأى أن الفارق الشاسع بين متوسط عمر الرجل والمرأة في روسيا قد وصل إلى 5 ،13 سنة وهو الأمر غير الموجود إطلاقا في أي دولة أخرى، حيث يصل متوسط عمر الرجل حاليا إلى 57 - 59 سنة بينما يصل
متوسط عمر المرأة إلى 71 - 73سنة.
|