Sunday 28th July,200210895العددالأحد 18 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

«الصبر والرضا» عند حلول المصائب «الصبر والرضا» عند حلول المصائب
أعدّها وألقاها د. عبدالله بن عبدالرحمن الشثري/إمام جامع قصر الأمير سلمان بن عبدالعزيز بالمعذر

فيما يلي نص الخطبة التي ألقاها الدكتور/ عبدالله بن عبدالرحمن الشثري إمام وخطيب جامع قصر الأمير سلمان بن عبدالعزيز في المعذر مواساة لفقيد الوطن أحمد بن سلمان وكان موضوعها «الصبر والرضا» عند حلول المصائب، ونظراً لما اشتملت عليه من النصوص والتذكير بتخفيف هذا المصاب فها نحن ننشرها:
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلو عبادة أيهم أحسن عملاً، بيده مقادير كل شيء، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عدداً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا معقب لحكمه ولامبدل لكلماته وهو سريع الحساب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين ومنّة للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه واتبع سنته، واهتدى بهداه.
أما بعد، أيها الناس اتقوا الله وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له وأخلصوا له العبادة {يّا أّيٍَهّا الذٌينّ آمّنٍوا \تَّقٍوا اللَّهّ حّقَّ تٍقّاتٌهٌ وّلا تّمٍوتٍنَّ إلاَّ وّأّنتٍم مٍَسًلٌمٍونّ} عباد الله:
جعل الله المصائب في الدنيا طريق اختبار، ومقياس امتحان، يمتحن الله به عباده المؤمنين، وإذا كان العبد مؤمناً حقاً، فلا يدخل قلبه أي اعتراض على فعل الله، ولا جزع مما قضاه الله وقدره، وكلما اشتد البلاء زاد إيمانه، وقوِي تسليمه لله، الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {أّحّسٌبّ النَّاسٍ أّن يٍتًرّكٍوا أّن يّقٍولٍوا آمّنَّا وّهٍمً لا يٍفًتّنٍونّ} أي وهم يختبرون بالمصائب التي تنزل بهم، والشدة التي تُحيط بساحتهم، أما مَن ضعف إيمانه، وقَلَّ يقينه، فإنه يجزع ويسخط، وييأس من رحمة الله ولا يُطيق وقع المصيبة على نفسه، فينقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.
ولقد أخبرنا الله جل شأنه أنه لم يخلقنا في هذه الدنيا إلا ليبلو إيماننا، ويختبر يقيننا {پَّذٌي خّلّقّ پًمّوًتّ وّالًحّيّاةّ لٌيّبًلٍوّكٍمً أّيٍَكٍمً أّحًسّنٍ عّمّلاْ}.
(155) پَّذٌينّ إذّا أّّصّابّتًهٍم مٍَصٌيبّةِ قّالٍوا إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ (156) أٍوًلّئٌكّ عّلّيًهٌمً صّلّوّاتِ مٌَن رَّبٌَهٌمً وّرّحًمّةِ وّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ پًمٍهًتّدٍونّ}.
فالصبر الذي ينال به الإنسان المنازل العظمى، والدرجات العلا التي وعد الله بها الصابرين، هو الصبر الذي يكون عند أول نزول الحادثة وعند مفاجأة المصيبة، ومهاجمتها للإنسان، وشدة وقعها في القلب فإنها في هذه الحال يكون لها أثر عظيم على النفس، فتزعزع القلب وتزعجه بصَدْمَتِها، فيجاهد الإنسان نفسه، ويُسَلِّم الأمر لله ويرضى بقضائه وقدره، ولا يجزع بما قدره الله عليه، فإذا حصل منه الصبر عند حلول المصيبة في أول وقوعها كان له الأجر المرتب على هذا الصبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
فإذا مرت الأيام على الحادثة التي وقعت والمصيبة التي نزلت، كان الزمان كفيلاً بنسيانها، والتسلية عنها فيصير الصبر عادة الإنسان، فالجزاء العظيم والفضل الكبير لمن صبر في أول الصدمة، ومنع نفسه عن الجزع والهلع عند الإحساس بحرارة المصيبة في أول أمرها.
وحكمة الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديهم فيها، ويخلصهم من تبعاتها، وأن توفر أجورهم في الآخرة.
وقد ابتلى الله أنبياءه وعباده الصالحين بأنواع البلاء وأشده، فصبروا على ذلك، فهذا الخليل إبراهيم اختبره الله بإلقائه في النار، فصبر حتى قال الله للنار: {كٍونٌي بّرًدْا وّسّلامْا عّلّى" إبًرّاهٌيمّ}.
وهذا ابنه إسماعيل اختبره الله بالذبح فصبر حتى فداه الله بذبح عظيم، وقال لأبيه: {سّتّجٌدٍنٌي إن شّاءّ پلَّهٍ مٌنّ پصَّابٌرٌينّ} وسمى الله هذا العمل بلاءً فقال: {إنَّ هّذّا لّهٍوّ پًبّلاءٍ پًمٍبٌينٍ}.
ومن بعده يعقوب اختبره الله بفقد ولده يوسف فقابل ذلك بالصبر والتسليم وقال: {فّصّبًرِ جّمٌيلِ وّاللَّهٍ پًمٍسًتّعّانٍ عّلّى" مّا تّصٌفٍونّ} وابنه يوسف اختبره الله بمجاهدة نفسه فسُجن ومكث في السجن بضع سنين.
وهذا أيوب اختبره الله بالضُرّ الذي أصابه فصبر حتى صرفه الله عنه وقال عنه ربه مثنيا عليه {إنَّا وّجّدًنّاهٍ صّابٌرْا نٌَعًمّ پًعّبًدٍ إنَّهٍ أّوَّاب}.
وهذا سيد ولد آدم وصفوة البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يَلْقى في حياته ودعوته من البلاء العظيم، ولم يزده توالي المصائب وامتحان الزمان إلا صبراً على صبر، وثباتاً على ثبات.
فَمَن علم ابتلاء الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم هانت عليه مصيبته، وخف عليه بلاؤه، فَقَدَ أولاده كلهم في حياته سوى فاطمة رضوان الله عليهم أجمعين.
توفي ابنه القاسم وعبدالله وإبراهيم، وتوفيت ابنته زينب ورقية وأم كلثوم، ثم توفيت فاطمة بعد موته بستة أشهر.
إن مثل هذه المصائب لحقيق بمن نزلت به أن ينخلع فؤاده، وتتفرق أحشاؤه، وتطير كلَّ مطار أحلامه، ولكن الله ثَبَّت نبيه وجمَّله بالصبر والرضا واليقين، فليس في الموت حيلة إلا أن يُعين الله على بلائه بالصبر والرضا، وجميل العزاء، ثم يُثيب الله من فضله على الصابر بالأجر وحسن الجزاء، فالدنيا ما خلقت إلا للكفاح والجهاد، لا لتكون موطن راحة وهناء ونعيم، بل لتكون دار جد وعمل واختبار وابتلاء، وليس لدى الإنسان في الدنيا عهد في السلامة والأمن والعافية على طول الزمان. فخذ رعاك الله نفسك بالصبر والْقَ مصابك بالعزم الشديد!! خذ نفسك بالاستعداد لكل ما عسى أن يكون، فَرَوِّضها على احتمال المكاره، وطمئنها إلى أن الإنسان ما دام قائماً في هذه الحياة فهو عرضة لأحداث الزمان، فإذا وقعت الواقعة كأن لديه من قوة الإيمان، وجلد الصبر، وثبات الجنان ما يمنع عنه الجزع، وينفي عنه الهلع، ويُبعد عنه القلق.
وفي صحيح البخاري أن عبدالله بن مسعود أتى على قوله تعالى: {وّمّن يٍؤًمٌنً بٌاللَّهٌ يّهًدٌ قّلًبّهٍ}، فقال: «هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله».
فَمَن نزلت به مصيبة، وجاءه الحق الذي لا ريب فيه، والذي لا مَفر منه لأحد، وامتُحن الإنسان في نفسه أو في ولده أو في قريب أو حبيب فلا يضيق صدره، وليَرْضَ بالقضاء حلوه ومره، ويقابل الشدائد بعزيمة ثابتة، فإن الأمور بيد الله يُصرفها كيف يشاء، والأيام لا تبقى على حالة واحدة، فلا حزن يدوم، ولا سرور يدوم!!!
والمؤمن حقا لا يقنط من رحمة الله فإن مع العسر يسرا وبعد الضيق فرجا، روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».
وليس المراد من الصبر عدم الحزن والبكاء فإنه غير مستطاع، لأن الفرح والحزن من طبع الإنسان لا يستطيع الخلاص منهما مهما كانت منزلته، ولو كان من الأنبياء والمرسلين.
فهذا صفوة الخلق سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بكى ورقَّ قلبه عند موت ولده إبراهيم، فقيل له، ألم تنه عن ذلك؟ فأخبرهم أن هذا من الرحمة. ففي مسند الإمام أحمد لما توفي إبراهيم بكى رسول الله فقال أبو بكر وعمر أنت أحق من علم لله حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تدمع العين، ويحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الرب ولولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخِر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وَجْداً أشد مما وجدنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» وأصل الحديث في الصحيحين.
ولأن الإنسان له شعور وعاطفة، كبدٌ تحنُّ، وعينٌ تتبادر بالدمع على من ذاق فيهم لوعة الفراق، فالحزن والبكاء رقة ورحمة جعلها الله في قلوب العباد، فمن الدمع ما أسكن، ومن الدمع ما أهدأ، ومن الدمع ما أبرد، وشتان بين عين تذرف الدمع من شدة الهول والهلع والجزع، وبين عين تفيض بالدمع من الرحمة والحنان!! والمراد من الصبر عدم الجزع عند صدمة المصيبة، حتى يذهب الإنسان إلى لطم الخدود، وشق الجيوب والأقوال المنكرة ودعوات الجاهلية، فهذه تنافي الصبر والرضا واليقين لأن مَن قلَّ صبره، غاب رأيه، واشتد جزعه، فصار صريع همومه وفريسة غمومه وقد قال جل ذكره: {وّاصًبٌرً عّلّى" مّا أّصّابّكّ إنَّ ذّلٌكّ مٌنً عّزًمٌ الأٍمٍورٌ} بمفتاح الصبر تعالج مغاليق الأمور، فإذا وفق المصاب للصبر خَفَّت عنه أحزانه، وتسهلت عليه أشجانه، فصار وشيك السلوة، قليل الجزعَ، حسنَ العزاء، فمن حاذر لم يهلع ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقعاً لم يكن متوجعاً.
وإذا أغفل الإنسان نفسه عن دواعي الرضا، ومنعها أسباب الصبر على البلاء، تضاعف عليه من شدة الأسى وَهَمِّ الجزع، ما لا يُطيق عليه صبراً.
فاللهمَّ اجعلنا راضين قضائك، صابرين لبلائك، شاكرين لنعمائك.
انتهت الخطبة الأولى
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الحمد أهل الثناء والمجد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيُّه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.. أما بعد أيها الناس:
إن الرضا عن الله فيما قدر وقضى على عباده، مرتبة عالية لا يوفق لها إلا الصديقون، فإن الرضا ينفي عن العبد آفات كثيرة منها:
السخط والقلق والاضطراب والهم والغم، وكثرة التفكير فيما لا ينفع وجميع المهالك، لأن العبد لا يستطيع استرجاع شيء قدره الله وقضاه عليه، وحينئذ فإن الواجب على العبد أن يرضى بما قضى الله عليه من البلاء والمصائب، والبلاء مؤلم للطبع، فإذا نزل قضاء الله بساحة العبد، فلا يقول إلا ما يرضي الرب، ولا يسخط ذلك بقلبه، بل يتطلع بهذا الرضا إلى ثواب الله في الآخرة.
والرضا نعمة كبرى يكون نتيجة التوكل على الله، والثقة به، واستمداد العون منه. والإنسان المؤمن إذا لم يستطع أن يبلغ درجة الرضا الموقن، والتقبل المطمئن، كان عليه أن يصبر ويتحمل ما يساق إليه ويصبر بهمّة المؤمن الذي لا يشكو ولا يصخب، وبمظهر من يصبر ولا يغضب، وفي سنن ابن ماجه بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط».
وجاء في الأثر: «إن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً».
فمن تيقظ حال المصيبة ثم تثبَّت، ثم تصبَّر، ثم صبر، ثم رضي قلبه واطمأن عند ورود الشدائد، فقد استوفى كمال الأجر من الله وتلك هي النهاية في الحالات، فإذا نزل لون من ألوان الابتلاء بهذا المؤمن الراضي عن الله، فإنه لا يتداعى بنيانه، ولا يضعف إيمانه، ولا يركن إلى الخمود والاستسلام، بل يحتمل ويصبر ويعزم، ويقدم مواصلاً السعي والعمل، والواثقون بالله الراضون عنه لا يزلزلهم شيء من عوارض الأيام ما دام إسلامهم محفوظاً ويقينهم ثاتباً فاتقوا الله أيها المسلمون واعمروا دنياكم بالرضا والقبول، وحصِّنوا نفوسكم باليقين والإيمان واتقوا الله الذي أنتم بهم مؤمنون.
الدعاء..

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved