Monday 29th July,200210896العددالأثنين 19 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

جذورنا جذورنا
د.عبد الرحمن الحبيب

حدقتُ في الراحلين كي أبصرَ الآتين. لم أر غير الماضي الممعنِ في الرحيل.. ذكرياتٌ تتسربلُ من كل الجهات، وصحراء تلفُ المدى وخلف هذه الصحراء صحراء، فوقها صحراء.. وحنين في كل حبة من رملها، كأننا وُلدنا من نحيب الخلوج. قلتُ: حدقت في الماضي كي أبصر ما وراء الآتي: غابات إسمنتية، نهارها نائم، ليلها خائف.. فاستيقظي يا بساتين النخيل، واشتعلي يا بصائر الحاضرين علَّ أحفادنا يأنسون من نارها، ويوقدون جمراً في ليل الجليد هذا.
هو الماضي سيرته روح تظلل الأفق الحاضر من سلوك دارج، ومشاريع نامية أو نائمة، وثقافة موجهة أو حالمة، وسياسات تراوح بين داحس والغبراء. وفي زحام خطط التنمية وبرامج التحديث يكون أن يداس على الماضي وما يتخلله من ترسبات قبلية، تقاليد بدوية، طبائع ريفية، علاقات تجارية، وطائفة من العادات المتنوعة، تهمل الجذور وكأننا مجتمعات افتراضية افتراضية. كل ما نحتاجه هو شبكة نظريات معدة للصيد، وشعب جاهز للاختبار. فبلا إدراك للبُنى الحضارية والأساس التاريخي للمجتمع يصعب تنفيذ برامج تنموية وتطويرها وبناء مؤسسات المجتمع المدني، فيتوالى الالتباس ويقصر الأداء.
لنضرب مثلاً، كانت للقبيلة في قسم وافر من المجتمعات العربية فعاليتها، فهي ضابطة مجتمعها تحمي أفرادها وتحفظ حقوقهم، تلزمهم بواجباتهم، وتمازجهم مع العقد الاجتماعي العام دون ذوبانها، وحين تخطى الزمنُ القبيلة كتنظيم اجتماعي غير متناغم مع التحديث، عملت أنظمة عربية أو فئات عصرية نافذة على إقصاء القبيلة بالكامل، وأحلت بدلاً منها تنظيمات متنوعة من جمعيات واتحادات ونقابات، وفقاً لنظريات بلا روح، لم تهيئ المناخ للتغيير، لم تكترث برسوخ النمط القديم، لم تعتن بالنسق الناشىء.
فتحولت تنظيمات حديثة إلى مسوخات محزنة أو بيروقراطية رثَّة. وحين يجدُّ أوان الجدِّ وتستيقظ فتنة نائمة أو أزمة طاحنة كانت بعض الأنظمة تلجأ إلى التنظيمات القديمة، ولطالما رأينا أفراد الحزب الحاكم، في بعض الأقطار، يلجأون عند الاحتراب كلٌّ إلى تنظيمه القديم (عشيرة، إقليم، طائفة) وصار البديل المستحدث مسخ مشوه أسوأ من سابقه.
وفي هذا السياق تزخر المكتبة العربية بأكوام الدراسات الثقافية والتحليلات السياسية والتنظيرات التحديثية.. مرحاً مرحا!! إن جلَّ ما يطرحه المثقفون في هذا المضمار قد ناله التشوه السالف ذكره، فاقرَّوا نظريات جاهزة لمجتمعات مفترضة، فتارة تصنف مجتمعات الجزيرة كنمط رعوي بدوي وزراعي ريفي تسوده العلاقات القبلية، وأخرى كمجتمع بدائي أو بدوي استقر حديثاً وما زالت تحكمه القيم البدوية والعلاقات القبلية، ويشطح الخيال الخصب أو المريض لدى البعض حين يراها كمجتمعات بُنيت على أساس إقطاعي قبلي بدائي.. الخ هنا تباع السلطة الخضراء مع خلطة من المفاهيم الدسمة. فهناك خلط شائع بين مفهومي البداوة كتصنيف معيشي ونمط سلوكي وبين القبلية كتنظيم اجتماعي، وخلط آخر بين التصنيف القبلي كتراتب اجتماعي وبين القبيلة كمؤسسة اجتماعية.
والتناقض في الرأي سمة طبيعة في العلوم الإنسانية نظراً لنسبيتها، ولكنها هنا تبدو فجَّةً، نتيجة التقصير في تحري الماضي والطبائع الحضارية، وعدم إدراك وشائج الجماعات من قبل باحثين قنعوا بنظريات جاهزة فأخضعوها قسراً على مجتمعاتنا المحلية، فلا غرابة وإذن، أن تتشابه لدى بعض الباحثين أغلب أو كل المصطلحات التالية: رعوي، صحراوي، بدوي، قبلي، ريفي، بدائي، دون استجلاء الأبعاد والمدلولات الضمنية لهذه المصطلحات عبر سياقها الحضاري الذي انبثقت من خلالها، ودون التمعن في مدى صلاحية هذه المفاهيم لواقع حالنا.
ولمعرفة أسسنا الحضارية السابقة وطباعنا الاجتماعية الحاضرة لا مناص من المحاولات التي تزاوج بين علم الاجتماع وبين ما نعرفة عن تاريخ وحاضر مجتمعاتنا المحلية. وهنا يكون العَودُ حميداً إلى الراسخين في العلم ولما ينظِّره الضالعون في سلوك المجتمعات وتاريخ العمران في أمهات الكتب غربها وشرقها، وإبداع ما يمكن إبداعه لبيئاتنا الاجتماعية دون وساطة الدوغمائيين البسطاء، أو أصحاب التنظيرات المسبقة والتعميمات المفلسة والسياسات المتهورة، لتضافر العقول المبدعة مُنشأة رؤاها الخاصة كلٌّ في مجتمعه الأهلي، علَّ المحاولات لا تكون تنظيراً جاهزاً يُرمى في قفص الببغاوات، أو رملاً تسفيه السوافي مع رحيل القبائل.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved