Monday 29th July,200210896العددالأثنين 19 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

مراجعة وتقييم مراجعة وتقييم
المؤلف- الدكتور أحسن طالب
كتاب - الجريمة والعقوبة والمؤسسات الإصلاحية
عرض أ.د. معن خليل العمر*

اطلعت مؤخراً على كتاب صدر حديثاً ووجدته قيماً ذا صلة بالنواحي الاجتماعية المعاصرة، ورأيت من المناسب تناوله من وجهة النظر التالية: يحاول المؤلف أن يربط في مؤلفه علاقة عضوية بين الجريمة والعقوبة والمؤسسات الاصلاحية لاعتقاده بأن هذه المواضيع مترابطة في وجودها وانعكاساتها ووظائفها على الرغم من اختلافها في موضوع الوظائف اذ إن للجريمة انعكاسات سلبية على المجتمع وهي ارباك آمنه، بينما العقوبة والمؤسسات الاصلاحية لهما وظائف علاجية تعمل على ارساء الدعائم الامنية في حياة المجتمع العامة.
لا مشاحة من القول بأن المؤلف استخدم «الثالوث الامني وليست «الثنائية الاصطلاحية» المتعارف عليها في علم الاجتماع والاجرام مثل (بدو وحضر والجريمة والعقاب) اذ خرج عن مدار هذه الثنائية ليرسي طرحاً جديداً في ادبيات علم الاجتماع والاجرام ليضع اضافة استدراكية لما هو مألوف عندهما فقدم «المؤسسات الاصلاحية» كحلقة مكملة للثنائية المتناقضة (الجريمة والعقوبة) وهي المؤسسات الاصلاحية وهذا العمل ماهو إلا اضافة منهجية وتنظيرية في هذا الحقل الفني (علم الاجرام). لا غرو من الاعتراف بأن هذا المؤلف تألق في تميزه بين الظاهرة والمشكلة الاجتماعية التي أعدها التفاتة ذكية من المؤلف إذ جبلت الكتابات في علم الاجتماع بالذات والاجرام خاصة بالخلط بينهما، فتارة تسمى «الحالة» مشكلة وتارة اخرى ظاهرة دون ادراك الفارق الاصطلاحي والمفهومي بينهما إذ أوضح المؤلف بأن الظاهرة قد تتحول إلى مشكلة والمشكلة تتحول إلى ظاهرة وهذا ما هو قائم في الحياة الاجتماعية وقلَّ ما انتبه إلى هذه التحولات الباحثون الاجتماعيون في كتاباتهم واللافت للانتباه ايضاً أن الباحث أعطى اهتماماً بارزاً للباحثين العرب الجادين في كتاباتهم فوضعهم في مصاف الباحثين الغربيين امثال محمد عاطف غيث في تعريفه للجريمة الذي قدمه على تعاريف كل من فير شايل وهورتون وليزلي وهذه مقاربة تشيد بعطاء الاجتماعيين العرب وعدم الاكتفاء بالطروحات الغربية.
ومن نافلة القول ايضاً أن الباحث لم يترك هذه التعاريف سائبة أو مستعرضة، بل ناقشها وتحاور معها أي أنه أعطى رأيه كباحث وليس كناقل للمعرفة الغربية وهذه ايجابية تقف إلى جانبه لتوضيح قدرته وتمرسه في التقييم والنقد. لم يقتصر الفصل الأول على تقديم تعاريف اجتماعية وقانونية للجريمة بل ذهب إلى مدار يختلف عن مدار التعاريف وهو مدار المآخذ عليها مآخذه الاجتماعية والقانونية التي أوضحت قوة الباحث العلمية في التوغل إلى مدار جديد هو مدار النقد الذي يمثل مرحلة متقدمة في البحث الاجتماعي ولم يكتف بالسرد والوصف إنما بتحديد الموقف العلمي.
ثم طرح تفاسير تاريخية للسلوك الاجرامي وحدد ايضاً مآخذه عليها وبالذات نحو طبروز وصاحب المدرسة البايولوجية، بعدها عرج نحو المدار النفسي والاجتماعي والتكاملي والاسلامي في تفسير السلوك الاجرامي موضحاً رؤاهم في هذا الضرب من ضروب السلوك وقد تألق طرحه في تناوله لموقف الدين الاسلامي في الجريمة الذي انطوى على فعل نهى الله عنه وهو بمثابة الكفر مقسماً هذا السلوك الجرمي إلى أنواع هي:
الاعتداء على الدين والنفس والعقل والنسل والمال وهذا طرح مثرٍ في المعرفة الجرمية. وفي الفصل الثاني اقتصر على الركن الثاني في الثالوث المنسجم وهو «العقوبة» محدداً اياه في الاتجاهات الاجتماعية والقانونية والاسلامية وبين في الفصل الثالث الركن الثالث من الثالوث وهي المؤسسات الاصلاحية (السجون واصلاحيات الاحداث) وجاء الفصل الرابع مكملاً للركن الثاني من الثالوث وهي العقوبة وذهب الفصل الخامس إلى دعم الركن الثالث وهي الخدمات الاجتماعية والصحية لنزلاء المؤسسات الاصلاحية، اخيراً ختم المؤلف مؤلفه بقواعد الحدود الدنيا لمعاملة المساجين كموضوع معزز للركن الثالث من الثالوث.
الملاحظ على هذا المؤلف أنه استزاد من المصادر العربية (التراثية والمعاصرة) والفرنسية والانجليزية مما أرقى في مستوى المعلومات إلى درجة متقدمة وهذه ميزة تميز بها هذا المؤلف عن باقي المؤلفات في علم الاجتماع والاجرام التي تقتصر على المصادر العربية والانجليزية (في احسن الاحوال) وذلك راجع إلى المام المؤلف بالثقافة الفرنسية والانجليزية فضلاً عن العربية. ومن الجدير بذكره في هذا المقام هو أن اسلوب المؤلف اتسم بالسلاسة والوضوح وتسلسل الافكار والرؤى مع استخدام المصطلحات العربية الجديدة في قاموس علم الاجتماع العربي مثل : التناشر الاجتماعي الذي عزا به التباعد الحاصل بين الاهداف والوسائل المشروعة للوصول إليها والمجرم المطبوع الذي قصد به الارتداد الوراثي والنمطية التي اوضحها على أنها طراز وثقافة السجن وثالوث الحلقة المفرغة الذي عنت به الاجهزة الامنية والقضاء والمؤسسات الاصلاحية (العقابية) التي لم يحملها عبء مواجهة مشكلة الجريمة بل في مسؤولية باقي المؤسسات الاجتماعية الاخرى لان الجريمة ( في نظر المؤلف) قضية اجتماعية قبل كل شيء وليس فقط في اختصاص اجهزة الامن والقضاء والمؤسسات الاصلاحية. ثمة حقيقة ذكرها المؤلف في متن مؤلفه مفادها أن البرامج التأهيلية والاصلاحية والرعاية الاجتماعية المؤثرة لن تؤتي ثمارها إلا إذا حصل اقتناع وايمان بالدور الاصلاحي و كان هناك علاج تقويمي احترافي ومنهج التفريد وتضافر الجهود الاهلية والحكومية في التأهيل.عموماً، الكتاب مشحون بالمعلومات الجادة والجيدة والاسلوب الرصين المكتوب من قبل باحث متمكن من مادته ومتابع لأدبيات اختصاصه ودقيق في استخدام مفاهيمه ومصطلحاته ومحترماً للرأي الآخر ومقدماً نقداً له بشكل بناء وليس من أجل النقد.

* أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved