كيف لنا أن نفهم معنى الصبر إذا لم نكابد الأحزان؟ وإذا لم تلفحنا بنارها وحرها، وكيف لنا أن نتعلم معنى الفراق إذا لم يبتعد عنا الأحباب، ويتركونا نتجرع مرارة الشدائد.. التي تتجاذبنا.. فما لنا لانلبث أن نرى شموع الخير تشع في ربوع الوطن.. تنشر الأفراح على وجوه المحتاجين.. ثم تتركنا نكابد الأحزان وتعلو وجوهنا الحسرة والألم على البعاد والفراق...
لقد رحل عنا فهد بن سلمان وروّعنا فراقه وبكى الوطن عليه قبل المواطنين وكست الأحزان أبواب الخير التي كانت مشرعة على يديه.. وصمتنا في وداعه.. وكأنّ أرواحنا تنتزع منا.. ويأتي الصابر المحتسب الشامخ سلمان بن عبدالعزيز ليضرب لنا أروع الأمثلة في الصبر والتصبر والاحتساب متمثلاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يرضى لعبده المؤمن، إذا ذهب بصفيِّه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة» وقوله صلى الله عليه وسلم: «.. ومن يتصبّر يصبِّرْه الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر».
هكذا هو الأمير صاحب العطاء الكبير في كل شيء.. يعلم مواطنيه دروساً في التحمل والصبر والشجاعة والشموخ.. ثم يأتي قدر الله ويزيد بلاء هذا العملاق الصادق في مشاعره وأحزانه.. ويخفيها في صدره بعيداً عن عيون الناس، ثم يشتد البلاء عليه ويفقد الأمير الشاب أحمد بن سلمان الشعلة المضيئة لشباب أمته.. وقائدهم في ضروب الخير.. ولا يفقده الأمير سلمان وحده بل وكل محبيه وأهله ومن تعامل معه، بل وحتى من سمع به من جموع الأمة يقف حزيناً مشدوهاً لما ابتلانا الله به من فقد أعز أحبابنا..
وأشدنا بلاءً هو أبوه، فولد الإنسان آثر شيء لديه وأحبه إليه، وكعادته يصبر ويحتسب ويعلمنا أن الصبر من صفات الرجال الأقوياء بل هو أبرز عناصر البطولة والرجولة الناضجة، وهكذا هم القادة يحتملون من البلاء والعناء ما لا يحتمله غيرهم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أي الناس أشد بلاءً، فقال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الناس على قدر دينهم، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة»..
وعزاؤنا في هذه الأيام أن نعلم أن لأهل السنة عند المصائب ثلاثة فنون: الصبر والدعاء وانتظار الفرج، فعلينا أن نصبر.. ولا نكف عن الدعاء لأميرنا الحبيب أحمد بن سلمان بأن يتغمده الله برحمته، وينير له في قبره ويوسع مدخله ويجعل قبره روضة من رياض الجنة ويجعل منزلته في الجنة الفردوس الأعلى، وأن يجاور النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، وأن يسقى شربة هنيئة مريئة لا يظمأ بعدها أبداً..
كما لا ننسى أن ندعو لوالده ووالدته وجميع أهله وأحبابه بأن يلهمهم الله الصبر والسلوان.. ونذكرهم بأعظم آيات الصبر التي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى: {وّاصًبٌرً وّمّا صّبًرٍكّ إلاَّ بٌاللَّهٌ} صدق الله العظيم.
والعزاء موصول لأشقائه الأمير النبيل صديق المعوّقين وحبيبهم سلطان بن سلمان، والأمير النابه فيصل بن سلمان وبقية إخوانه..
وفي الختام لا أملك إلا أن أقول لسمو الأمير سلمان وأهله وجميع المكلومين والمحزونين لفراقه قوله تعالى: {سّلامِ عّلّيًكٍم بٌمّا صّبّرًتٍمً}.
|