ما رأيكم في الصورة التالية؟
رجلٌ من أبناء هذا البلد ساقته سيَّارته في ليلة صيفية حارة إلى مطعم كبير في «جدة غير»، كان الرجل على حد قوله جائعاً، وكانت روائح الشِّواء المنبعثة من كل مكان تزيد جوعَه حدَّةً وصَلَفاً، وكانت الرطوبة العالية قد زادت من حدّةِ طبعه وضيق صدره، أوقف سيارته، وانطلق على قدميه الغريقتين في حذائه المبلَّل بالعرق إلى ساحة المطعم، هنالك رأى عجباً: جلسات موزَّعة حول بحيرةٍ مكشوفة، ورجال ونساء، يلتهمون الأطباق المنوَّعة التهاماً، وعددٌ كبير من أشكالٍ هرميةٍ أطلق عليها الشيخ سعيد بن مسفر ذات يوم اسم «مآذن الشيطان»، والناس يسمُّونها الشيشة التي تتكون من عجينة قبيحة المنظر، وجمرة متوهِّجة، وأنبوبٍ طويلٍ يحوِّل شفاه الناس إلى قطعٍ سوداء جافَّة، يقول الرجل:
أنَّ المنظر كان يُوحي برفع الكُُلْفة بين النَّاس فكأنَّ الجالسين في ذلك الفناء من أسرةٍ واحِدةٍ، عائلات تجلس بجوار بعضها تماماً رجالاً ونساءً، وألعاب الأطفال في الجانب الآخر تزدحم بالمرتادين من الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة، ويؤكد الرجل أنَّ أطفال الخامسة عشرة ذكوراً وإناثاً كانوا الأكثر عدداً واستمتاعاً بتلك الألعاب.
هل نسيّ الرجل جوعَه؟، كلاَّ.. فقد اتجه إلى أحد العاملين في ذلك المطعم المفتوح الفسيح، وتحدَّث إليه، ولكن أنَّى له أن يُسمعه ما يريد، أو يَسمع منه ما يريد؟.. يقول الرجل: كان الجوُّ صاخباً إلى درجة لاتطاق، موسيقى تملأ المكان، وأصواتٌ نَشاز لأناس يُسمَّون «المطربين»، من أمثال عدويَّة، تتعالى بصورة غير طبيعية، وشاشات ضخمة تعرض كل شاشة منها جانباً من غثاء القنوات الفضائية ترتفع أصواتها من جهات مختلفة، ويتابع الرجل حديثه قائلاً: لفت نظري أشكالٌ مستطيلة موزَّعة في ذلك الفناء الفسيح كل شكل منها يكاد يطاول قامَّة الإنسان، هي التي كانت تبعث بتلك الأصوات النَّشاز لتلك الأغاني الصاخبة التي لا تمتُّ إلى الذوق الفنّي الصحيح بصلة، إنها مكبِّرات ضخمة قادرة على أن تُصِمَّ الآذان.
يقول: أخذت بيد المشرف على هذا الفناء جانباً لأتمكن من الحديث معه، وقلت له: أليس هذا مطعماً للأكل؟ قال: بلى، قلت: فلماذا هذه الهيلمة والهيلمان، وهذا الصخب والضجيج؟.. إنني أريد أن آكل في جوٍّ هادىء، قال ضاحكاً ضحكة مصطنعة يُوجبها برنامج العمل،: «معليش» وهذه كلمة تعني «لا بأس»، الزبائن يريدون هذا الصَّخب.
قلت له: وأنا أحد الزبائن وأريد الهدوء، وأنا جائع سأتناول وجبة ذات قيمة ممتازة.. ولم أستطع مواصلة الحديث لأنَّ المشرف انطلق إلى عائلة كبيرة قدمت إلى ذلك الفناء الفسيح، نعم كان عدد أفراد تلك العائلة كبيراً فهي أهمَّ مني أنا «الجائع» الذي كان في تلك اللحظة غارقاً في رطوبة البحر المنهمرة.
لا أدري ما الأنظمة الصادرة عن وزارة التجارة التي تضبط مثل هذه الأمور؟.. وهل هنالك نظام يمنع مثل هذا الجوِّ الصاخب الذي يذكَّر ببعض المطاعم والمتنزهات الشعبية الصارخة في بعض البلاد العربية المجاورة وغير المجاورة.
قال الرجل: خرجت من المطعم الكبير جائعاً لأنَّ صوتي كان يتلاشى أمام الموسيقى الصاخبة وصوت «المطربين» النشاز وصراخ أطفال الخامسة عشرة من العمر.
إشارة
من حق شخصية بلادنا المتميزة أن تكون سياحتُها منضبطة، أليس كذلك؟.
|