تركز الحديث في الحلقة السابقة على الجزء الأول من تاريخ ابن غنَّام المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدد غزوات ذوي الإسلام.
على أن الجزء الثاني من تاريخ ابن غنَّام هو الأقربُ إلى منهجية الرصد التاريخي؛ إذ دوَّن فيه الأحداث؛ سنة سنة. ومع أن العنوان العام لتاريخيه قد اشتمل على مدلول هذا الجزء فإنه جعل له عنواناً فرعياً هو:
كتاب الغزوات البيانية والفتوحات الربَّانية وذكرُ السبب الذي حمل على ذلك.
وقد استهلّه بمواصلة الحديث عن نشاط الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العيينة، وردود الفعل لتطبيقه فيها ما كان يدعو إليه؛ وهي الردود التي أدت إلى انتقاله منها إلى الدرعية. ثم تحدث عن نشاطه في السنتين الأوليين بعد استقراره في موطنه الجديد؛ وذلك قبل أن يدخل أنصار دعوته مع خصومهم في نزاع مسلح. وبعد هذا أخذ يسجل حوادث هذا النزاع وما واكبه من نشاط سياسي أديا إلى ما هو معروف في التاريخ العام للمنطقة من تمكن أولئك الأنصار، بقيادة آل سعود، من توحيدٍ لها. ولقد توقف ما هو متوافر في أيدي الباحثين الآن من تاريخ ابن غنَّام؛ مطبوعاً ومخطوطاً، عند حوادث عام 1312هـ/1797م. ومن المرجح جداً أن هناك جزءاً متمماً لهذا التاريخ؛ وهو الجزء الخاص بتدوين الحوادث حتى وفاة مؤلفه عام 1225هـ. ذلك أنه من غير المحتمل أن يهمل مؤلفه تدوين حوادث مهمة جداً كغزوة علي باشا، مساعد والي بغداد العثماني، للأحساء عام 1213هـ، وهجوم السعوديين على كربلاء عام 1216هـ، واغتيال الحاكم السعودي، عبدالعزيز بن محمد، على يد أحد العراقيين عام 1218هـ، وتوحيد السعوديين لعسير والحجاز وجازان.
على أن شيخنا حمد بن محمد الجاسر، رحمه الله، قال في كلامه عن تاريخ ابن غنَّام ما يأتي:
«وقد عُثر على تكملة لتاريخ الشيخ حسين بن غنَّام وصلت إلى الخزانة السعودية في الرياض وقتَ نشرِ تاريخ ابن بشر لأول مرة؛ أي سنة 1349هـ.
ويظهر أن احتواء تاريخ ابن بشر على جلّ ما في التكملة، وأن أسلوبها مما لا يتلاءم مع أذواق كثير من القراء في هذا العهد للسجع الممل، وأن تاريخ ابن غنَّام سبق نشره، وليس هناك كبير فائدة في هذه التكملة لكي يعاد طبع التاريخ كاملاً، هذه الأسباب حالت دون نشر تلك التكملة. وقد وصلت إلى مكتبة الأستاذ رشدي ملحس، وهو الذي حدثني عنها». «العرب، ربيع الأول 1391هـ، ص793».
والكلام السابق يمكن أن يلحظ عليه أمران:
الأول: إن الجزء الأول من تاريخ ابن بشر سبق أن نشر في بغداد سنة 1331هـ، لكنه طبع بجزأيه أول مرة في مكة سنة 1349هـ.
الثاني: إن ما سبق نشره من تاريخ ابن غنَّام هو المتداول المنتهي بحوادث سنة 1212ه. وحوادث الثلاث عشرة سنة التي بعدها كانت مهمة جدا كما سبق أن ذكر . وحديث ابن غنَّام المصدر الأول لتاريخ الدولة السعودية الأولى أهمُ من حديث من أتوا بعده كابن بشر، فالفائدة من نشر تكملة تاريخه واضحة كل الوضوح.
ومن الواضح جداً أن ابن بشر قد اطلع على تاريخ ابن غنَّام لأن مقارنة كتابه بما ذكره سلفه تؤكد اعتماده الكبير عليه في تفصيلات الحوادث التي أوردها ذلك السلف. بل إنه نقل عنه قليلاً من العبارات نقلاً حرفياً، وإن كان لم يذكر هذا النقل وذلك الاعتماد. واكتفى بالقول: إنه وجد ترسيمات للوقائع لابن سلّوم إلى قرب موت عبدالعزيز بن محمد بن سعود. ثم وجد ترسيمات لغيره أحسن من رسمه متصلة به. ومن المعروف أن اغتيال عبدالعزيز كان سنة 1218هـ. وما دام الموجود الآن من تاريخ ابن غنَّام توقف عند حوادث سنة 1212هـ فإنه قد توقف فعلاً قرب وفاة عبدالعزيز. وعلى هذا فإن تكملته كانت على الأرجح مفقودة في عهد ابن بشر المتوفى سنة 1290هـ أيضاً، أو على الأقل، كانت مفقودة بالنسبة لهذا المؤرخ. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فماذا عن هذا المتوافر من تاريخ ابن غنَّام؟.
تتفق مخطوطات هذا التاريخ بانتهاء كل واحدة منها بحديث مؤلفها عن أحداث سنة 1212هـ، لكن بعضها ينتهي نهاية مبتورة؛ إذ آخرها صدر من بيت شعر دون إكمال بقيته. وبعضها ينتهي نهاية غير مبتورة؛ وذلك باستكمال الكلام عن أحداث تلك السنة كلها. ولقد طبع أول مرة في بومبي سنة 1319هـ، ثم طبع مرة ثانية في القاهرة سنة 1368هـ/1949م؛ وهي الطبعة التي تمّت على نفقة الشيخ عبدالمحسن البابطين، وينطبق ما فيها على ما في المخطوطات التي نهاياتها مبتورة.
ولقد صدرت لهذا التاريخ طبعة أخرى بعنوان تاريخ نجد، للشيخ الإمام حسين ابن غنَّام، حرره وحققه الدكتور ناصر الدين الأسد، وقيل في صفحة الغلاف قابله على الأصل عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم الشيخ، الذي كتب له تقديماً سنة 1380هـ والحقيقة أنه وقع اجتهادان في هذه الطبعة؛ الأول قد يكون في محله؛ وهو إعادة صياغة كتابته بحيث جردت من السجع المتكلف، وحُذفت بعض الجمل المترادفة، والثاني اجتهاد في غير محله؛ وهو إضافة معلومات لم يوردها ابن غنَّام، وإنما أخذت من غيره؛ وبخاصة تاريخ ابن بشر. وهذا العمل مضلٌّ للقارئ؛ إذ سيظن أن كل المعلومات الموجودة في هذه الطبعة مما دونه ابن غنَّام. وهذا غير صحيح. ولهذا فإنه لا يصح الاعتماد عليها.
وإذا أراد الباحث أن يتكلم عن أسلوب ابن غنَّام في كتابته لتاريخه وجد أن هذا التاريخ يشتمل على ما أورد من كلام لغيره مثل رسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأجوبته عن أسئلة، وتفسيره لسور وآيات من القرآن الكريم، ومثل إيراده لكلام علماء آخرين كابن تيمية والشيخ حمد بن معمر. وهذا كله أورده حرفياً، وليس له فيه إلا فضيلة إيراده؛ وهو، بصفة عامة، المكون للجزء الأول مما كتبه ذلك المؤرخ. ويشتمل على ما هو من كلامه. وهذا يكون، بشكل أساسي الجزء الثاني من تاريخه، وهو الذي ركز فيه على ذكر الأحداث العسكرية، أو الغزوات، وقد كتب ابن غنَّام بأسلوب مسجوع سجعاً متكلفاً إلى درجة أنه في حالات نادرة ضحى بقواعد اللغة العربية التي كان يدرسها لصالح السجع. ولم يكن المؤرخ الوحيد في زمنه ومنطقته الذي اتبع ذلك الأسلوب. فقد جاء أسلوب عثمان بن سند في كتابه «مطالع السعود» مشابهاً لأسلوب ابن غنَّام.
وربما كان اتباع ابن غنَّام لأسلوب السجع محاولة منه لإظهار براعته اللغوية كما قال شيخنا حمد الجاسر ومن رأى رأيه. وربما كان يرى أن السجع أكثر قبولاً لدى القارئ في تلك الفترة، وبالتالي، أعمق تأثيراً في نفسه. ذلك أن ابن غنَّام كان يعيش في جو مشحو بالتوتر والصراع بين أنصار دعوة الشيخ محمد وخصومهم. وهو باتباعه ذلك الأسلوب يحمل سلاح الكلمة بجانب أولئك الأنصار.
أما المنهج الذي اتبعه ابن غنَّام في كتابته فإن الجزء الأول منه جاء في مجمله كما سبق أن ذكر إيراداً لكلام غيره. وبالتالي فإن منهجه فيه ليس مما ينبغي التوقف عنده. ولكن نهجه حقيقة يتجلى في الجزء الثاني. والمنهج الذي اتبعه في هذا الجزء هو المنهج المتبع عند بعض مؤرخي الإسلام في قرون ماضية؛ وهو تدوين الحوادث؛ سنة سنة. وبما أن الفترة التي كتب تاريخها كانت الصبغة الأساسية فيها الأعمال العسكرية؛ دفاعاً عن الدولة السعودية القائمة على أساس دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، أو هجوماً ضد خصومها، فإن الجزء الثاني من ذلك التاريخ بالذات جاء سجلاً لتلك الأعمال وما واكبها من مواقف سياسية.
على أنه قد ضمَّن هذا الجزء في مواضع قليلة أموراً فكرية دينية وقصائد بمناسبة أحداث مهمة. ومن القسم الأول رد الشيخ محمد على ما كتبه أخوه سليمان ضده «ص ص 20 44». وقد صدر هذا الرد، فيما بعد، بعنوان «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد». ومنه أجوبة الشيخ حمد بن معمر عن أسئلة علماء مكة عندما أرسله قادة الدرعية إلى هناك بطلب من الشريف غالب لمناقشة أولئك العلماء. «ص ص 203 232» وقد صدرت هذه الأجوبة فيما بعد بعنوان «الفواكه العذاب فيمن لم يحكّم السنة والكتاب». ومن الواضح أن القصائد الموردة إنما قيلت في الأحداث المهمة جداً في نظر ابن غنَّام؛ سواء كانت صدى لانتصار حققه أتباع الدولة السعودية أو لهزيمة مؤلمة حلت بهم. ومن تلك القصائد قصيدته بمناسبة غزو صاحب نجران لنجد وهزيمته لعبدالعزيز بن محمد سعود في الحائر، ومطلعها:
عينُ جودي بواكفٍ هتَّان واسكبي عبرة على الأجفان |
وقصيدتُه بمناسبة هجوم زعيم بني خالد على الدرعية، ومطلعها:
نفوس الورى إلا القليل ركونُها إلى الغيّ لا يلفي لدينٍ حنينها |
وقصيدته بمناسبة دخول الرياض تحت الحكم السعودي، ومطلعها:
كشف الحق ظلمةَ الإغلاس ومحى الدين جملة الأرجاس |
وقصيدته في رثاء الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومطلعها:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع وليس إلى غير المهيمنِ مَفْزَع |
وقصيدته التي ردّ فيها على قصيدة ابن فيروز، ومطلعها:
على وجهها الموسوم بالشوم قد خطا عروس هوى ممقوتة زارت الشطا |
وقصيدته التي هنأ بها سعود بن عبدالعزيز عند قدومه الأحساء بعد مقتل زعيم المنتفق، ثويني بن عبدالله، ومطلعها:
تلألأ نور الحق وانصدع الفجر وديجور ليل الشرك مزَّقه الطهر |
وعدد أبياتها 118 بيتاً.
وماذا عن مصداقية ابن غنَّام في تدوينه لما دوَّنه من أحداث؟
ينبغي أن يفرّق، هنا، بين طريقة عرض الحدث وبين مضمونه، فابن غنَّام كان متحمساً لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأنصارها. وكانوا في نظره المسلمين حقاً. ومن هنا فإنه كان يحرص على تمجيدهم والثناء عليهم، ويرى انتصارهم انتصاراً للتوحيد ودين الحق وعلامة من علائم إكرام الله لهم. أما انهزامهم فكان يراه ابتلاء من الله يمتحن به إيمانهم.
وإذا أخذ ما سبق في الحسبان فإن المرء ينبغي ألاَّ يهتم بالأسلوب، أو العرض، الذي دون به ابن غنَّام الحوادث، وإنما ينظر إلى مضمون الأحداث التي دونها. ومن قرأ تاريخه يجد أنه يذكر هزائم أتباع الدولة السعودية تماما، كما يذكر انتصاراتهم، ويذكر أسماء من قتلوا منهم كما يذكر أسماء من قتلوا من خصومهم ما وجد إلى معرفتها سبيلا. والمهم للباحث في نظري هو النظر إلى المحتوى ذاته لا إلى أسلوب عرضه. وبما أن تاريخ ابن غنَّام أول سجل لتفاصيل حياة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومسيرة دعوته، وأخبار الدولة السعودية الأولى التي ناصرتها، فإن من الممكن أن يعدّ بإنصاف رائداً لمؤرخي نجد في الفترة التي تناول أحداثها.
والله ولي التوفيق..
|