حج هشام بن عبدالله قبل أن يلي الخلافة، فاجتهد أن يستلم الحجر الأسود ولم يستطع من الناس، وجاء زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما فوقف له الناس، وتنحوا عنه حتى استلمه، ثم ذهبوا معه إلى منبره الذي أعد له وتحلقوا حوله، وهشام يراقب المنظر فوق منبره الذي نصب له، فسأله بعض من معه من أهل الشام: من هذا؟ فقال لا أعرفه، فأجابهم الفرزدق:
هذا الذي تَعْرِفُ البطحاء وطأته والمبيت يعرفه والحل والحرم وليس قولك من هذا بضائره العُرْب تعرف من أنكرت والعجم |
لا أدري ما السر الذي دعاني إلى تذكر هذه الحادثة وأنا أتأمل صورة الشيخ التي نشرت في الصفحة الأولى في جريدة الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي، ثاني أيام العزاء، وعرفت أن قلوب الناس لا يمكن أن تشترى بالمال، لأن ذلك الشيخ ليس بحاجة إلى شيء من حطام الدنيا الفانية، وليس غير الحب الذي أتقن فنه سيدي سلمان جاء به منتظراً فرصته في تقديم العزاء، حتى استعذب مرارة الانتظار وتكبد عناء الطريق، وتحمل ارتفاع درجات الحرارة وتجاوز أعباء الشيخوخة من أجل سلمان الذي عرف فن الحياة وأدرك سرها العجيب فأحب الناس وأحبوه بهذه الطريقة، يحترمهم ويقضي حاجاتهم، ويشاركهم في مصابهم، ويأبى إلا أن يقدم العزاء لذوي المصاب بنفسه، حتى أنه زار ابن ختلة في المستشفى وهو في قمة العزاء والتأثر.
لا يرد طالباً، ولا يشح بمعروف، ولا يبخل بجاه، يعين على نوائب الدهر، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يتعفف عما في أيدي الناس، لأنه غني بنفسه، ويصلح بين المتخاصمين ولو كلفه ذلك ما كلفه، لسانه رطب بذكر الله عز وجل، ودائماً يذِّكر الناس بالشرع والسنة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبداً أنزل محبته في قلوب الناس»، متجلد لا يتضعضع لريب أو مصيبة، ناجح في إدارته فيه كبرياء العرب وشهامة الأجواد سيد في كل الظروف التي أثبتت أن حب الناس بهذه الطريقة فن يدركه النبلاء وحدهم أولئك الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون..
كما أكد أبو حيان التوحيدي ذلك في قوله: «لا تكون الرياسة حتى تصفو من شوائب الخيلاء ومن مقابح الزهو والكبرياء» حتى صار سيدي سلمان بهذا المثل نموذجاً فريداً غير قابل للتكرار، لأنه عرف نفسه جيداً فكوَّنها على ما يريد ولم يسمح لها أن تكون على ما تريد قال مونتيني «الكاتب الفرنسي» في إحدى مقالاته المشهورة إن أعظم ما يقوم به الإنسان أن يعرف كيف يكوِّن نفسه».
سعيد حتى تظفه عين السعادة، يحاول بإيمانه أن يهوِّن المصيبة على الناس بإيثاره الاحتراق صامتاً وكما قال جبران خليل جبران:« باطلة هي المعتقدات والتعالي التي تجعل الإنسان تعيساً في حياته وكذابة هي العواطف التي تقوده إلى اليأس والحزن والشقاء، لأن واجب الإنسان أن يكون سعيداً».
نعم ياجبران إن قلباً كهذا القلب السلماني يتحول بإيمانه إلى أسطورة يرويها الصابرون، وينسج التاريخ حولها في كل يوم حكاية وحكاية حتى حدود المستحيل لتكون إلياذتنا في الصبر.
نحن نعلم يقيناً تفطر الكبد على الأبناء المغادرين، وما ذلك إلا رحمة يمنحها المولى من شاء من عباده وإنما الصبر بالتصبر فهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم يبكي لما مات ولده إبراهيم، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أنت من أحق من علم لله حقه، فقال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً أشد مما وجدنا، وإنا بك ياإبراهيم لمحزونون»
والتاريخ مليء بالشواهد والنماذج، فهذا التهامي يرثي ابنه:
طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار جاورت أعدائي وجاور ربه شتات بين جواره وجواري |
ومثله سعدون العواجي يرثي ابنيه «عقاب وحجاب»:
من عقبكم ما نبكي الحي لو مات ولاني على الدنيا كثير الحسوفي على سيوف بالملاقا مهمات سيفين أغلى ما غدى من سيوفي |
وشالح بن هدلان يرثي ابنه «ذيب»:
ويبكيك من صكت عليه المغاليب وإن صاح بأعلى الصوت ياهل الحميا |
ليتنا نشفى من هذه الذاكرة الرمادية، ونستطيع أن نلتفت إلى الوراء دون حنين وألم ينبعث من كبد حرّى ملأتها الفاجعة بالغياب، فرسمت لوحاتها الحزينة في تلك المساحات الشاسعة بكل لون موجعٍ، ولكن حقيقة الموت مرة حتى وإن عجزنا عن إدراكها، وأما إذا أدركناها فإنها تساعدنا على إدراك حقائق أخرى تحررنا من الانفعالات والأوهام، وليس على المسلم في ذلك عناء كبير، يحتاج فقط كثيراً من الحزم والصبر والإيمان، لأن في وجه الشمس تصبح نيران الشموع كابية كامدة كما قال بودلير:
إن الابتلاء يوصل المسلم إلى المرتبة العالية والدرجة الرفيعة، ولا يوفق لذلك إلا الصابرون المحتسبون، قال صلى الله عليه وسلم:« إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». والكتابة إلى سيدي سلمان بقلم أسود يشبه سماء الرياض الحزينة لحزنه هذا المساء تكبر مثل دوائر الموجات المائية حتى تتوحد مع تفاصيله حتى تتمنى هذه الورقة السوداء أن تسمح دمعته خلف نظارته السوداء أيضاً، قالوا إن قطرة حزنٍ توازي في عمقها بحر سرور في اتساعه، فما بالكم بمدينة تحترق في عيون أهلها، فسيدي سلمان نهرها العذب الذي طالما صنفت به مع المدن الجميلة التي تتخللها الأنهار التي اشترطوها مقياساً لذلك الجمال والعذوبة والصفاء.
إنها باردة الأطراف، محمومة العروق، معصوبة الرأس، كتبتك على صفائح الذهب الخالدة التي تزينها في الحفلات والأعراس والمناسبات الغالية، وكأنها فان كوخ الذي جلس حزيناً معصوب الرأس أمام نافذة حقول «العبَّاد» فرسمها ليمنحها الخلود في موكب الشمس.
وهاهي قد جاءتك مع الناس في العزاء بقامةٍ تختلف هذه المرة، فتطاولت بين الجموع وكأنها قامتك الفارعة لتراها في ملاءتها السوداء، وحلمها أن تضعك اليوم بين أهدابها بملامحك المتعبة في لحظة تتجرد من الجهات والأرصاد والتوقعات، وحدك أنت تسكنها بحزنك وعنفوانك يا بطل ملحمتها، وفارسها الذي حطم جيوش البرد وغزاة الظلام وعربات الصقيع، فأي موعدٍ معك وأنت لم تغادرها حتى شرقت بدمعتك الحرى التي غيرت تفاصيل جفنك الصامت وابتسامتك البيضاء التي تجاهلت طقوس هذا السواد بشموخ وكبرياء..
سيدي، كل المدن مهزومة بجسورها وطرقاتها والتوائها وأرصفتها وعسكرها وجلاديها، لأنها تتعرى في الغربة من أشيائها إلا أنا شامخة بسترك وعافيتك، ولست وحدي حزينة، فالوطن بأكمله ذاهب معك للصلاة على أحمد، ويهرب منك إليك، حيث صوت المآذن، أحاول أن أقاوم مثلك بقامة فارعة وصوت أجش وهيبةٍ لا تليق إلا بك في عالم الصموت والانبهار.
الحزن مقدس هذا المساء وما أتعس أن يختصر في قلوبنا، والدموع طاهرة تتعلق بأطرافك كما تتعلق ذاكرة محموم في لحظة هذيان بحروف اسمك ياسلمان..
في ظلك تتكامل المواقف عطاءً ومُثلاً تجعل الحياة تستمر بأبعادٍ أكبر تمنحنا في هذا الزمن القدرة على الفرح والعيش بأفيائه، نتزود من قبل لسنوات الصقيع يا من حسنت به الأيام حتى تربع على فم الدنيا ابتساماً، اصبر، فهاهم جاءوك يتعلمون منك فن الصبر أيضاً وكأنهم الأحنف بن قيس الذي قال كنا نذهب إلى قيس بن عاصم المنقري نتعلم منه الحلم...، ما أعظم الموتى عندما يحولون عزاءهم إلى ملحمةٍ بين الأم وأبنائها إيماناً بأن لكل شخص الحزن الذي يستحق والبكاء الذي يليق به..
سئلت أعرابية يوماً من أحب أولادك إليك؟
قالت: غائبهم حتى يعود ومريضهم حتى يشفى وصغيرهم حتى يكبر..
وأنت يا أحمد في عين سيدي سلمان الغائب الذي لا يعود والمريض الذي لا يشفى والصغير الذي لا يكبر.. وهنيئاً لك ذلك الصدر الذي دفنت فيه، فعظم الله أجر الوطن وأحسن عزاء والد الجميع، ولسان حالة يقول:
وباروع شموخ أقفيت ما همني شيء تهون ولا عمرها لاتهون |
والله من وراء القصد
|