ما رأيت مفكراً شغله الموت، وأخافه إلى حد الهلع، وأفرغ جهده الفكري والفلسفي في سبيل استكناهه، مثلما فعل (عبدالرحمن بدوي 1917 - 2002م) الذي عاش عذابات الغربة، ونكد العزوبية، ومرارة الحياة، ورهبة المطاردة من الساسة والمفكرين والأكاديميين، حتى قضى حياته حاقداً ومحقوداً عليه، متعاظماً بذاته وبمبْلغه من العلم. ومع ذلك الكيد الممض طاف جامعات العالم ومحافلها العلمية والفلسفية، وأسهم في التعليم والتأليف والتحقيق والترجمة، ووضع المناهج، وخلّف وراء ظهره مائة وخمسين مؤلفاً، تُرجم بعضها لأكثر من لغة، واعتمد البعض الآخر كأهم مرجع للدراسات العليا في جامعات العالم. وما ان علمت بموته المتوقع، هرعت إلى مكتبتي لأجد حقله فيها واحداً من أهم حقول الفلاسفة المعاصرين، من أمثال «زكي نجيب محمود»، «وفؤاد زكريا»، «والعقاد»، «ومحمد أركون»، «وحسن حنفي»، «والجابري» وحقول فلاسفة الغرب، أمثال «كانط» و«ديكارت» و«سبينوزا» و«كير كجرد»، و«سارتر» وكان آخر مشاويره التأليفية كتابيه الإسلاميين في الدفاع عن القرآن والرسول، وسيرته الذاتية التي ألهت الوسط الإعلامي والفكري ساعة من نهار، لكونها ملحمة هجائية مقذعة، في مجلدين، نيفا على سبعمائة صفحة، ولما تنته بعد، ولكن الموت سبق إليه، تاركاً بقايا الغضب يتجمد على شفتيه، ويخبو في صدره، كما البركان الخامد.
وفي هذه السيرة عرض معرفي لبدايات حياته العلمية واهتماماته في «الأدب» و«اللغات»، «والفلسفة»، «وعلاقاته بأساتذته العرب والمستشرقين»، و«رحلاته في طلب العلم والتعليم»، و«حضور المؤتمرات»، وفيها إلى جانب ذلك تصفية لحسابات وثارات قديمة، آلت به إلى الغربة والحرمان، واضطرته إلى الشح والتقتير. لقد سعيت جهدي بحثاً عن تلك السيرة الضجة، وكنت يومها على وشك مناقشة رسالة أكاديمية عن «أدب السيرة الذاتية»، وفي صدد تحكيم آخر في «أدب السيرة»، وكنت من قبل ولمَّا أزل حفياً بسير أعلام النبلاء من علماء ومفكرين وفنيين وساسة، وبخاصة ذات الطابع الروائي، ممن يملكون موهبة قصصية، فكان ان بعثت بها إليَّ تلميذة وفية، نقبت عنها في مكتبات مصر، وحين حيزت لي، مع طائفة من المقالات والمقابلات التي جاءت في أعقابها من مقربين وأباعد، أصبت بخيبة أمل، وتمنيت أنه لم يفعل ما فعل، وكنت على وشك الفراغ من قراءة سيرة ذاتية متميزة «لادوارد سعيد»، «خارج المكان» بأسلوبها وحركتها الداخلية، وقد نقلها إلى العربية «فواز طرابلسي». والحق ان سيرة «بدوي» بهذا المستوى اللغوي والفني والموضوعي لم تكن من أدب السير الفنية المتميزة بأي مقياس، وإنما هي خواطر وأحداث ومعلومات وتاريخ لقضايا متنافرة، كتبها في خريف العمر والسمعة معاً، بحيث أومأ إلى التاريخ السياسي الحديث لمصر «ص46» ووعد بمزيد من التفصيل، وتحدث عن التاريخ الأكاديمي «ص55» ولما ينفك من الحديث عنه عبر أشواطها الدلالية، وعن «المؤتمرات» وبخاصة ما يتعلق منها بالمستشرقين، وتناولاتهم لفلاسفة الإسلام، جاعلاً نفسه الراوي والبطل والخصم والحكم. غير ان الشيخوخة والمرض أقعداه، ولما ينته من نفثاته الحرّى، والسيرة التي اشتعلت كما «نار الورق» خبت، وكأنها لم تكن، لفقدها مقومات البقاء، إذ لم تكن «كالأيام» لطه حسين أو «سبعون» لميخائيل نعيمة أو «غناء البجعة» لزكي محمود فهي الأقل جاذبية من بين عدد كبير من السير والذكريات والأيام، وأحسبها لا تطاول قاعة الفيلسوف الوجودي، الذي ترك بصمات واضحة في المشهد الفلسفي الحديث، وبخاصة فيما يتعلق بفلسفة الوجود، التي جذر لها في أقسام الفلسفة في الجامعات المصرية، وفي جامعات «الكويت» و«لبنان» و«ليبيا» التي عمل فيها ردحاً من الزمن. ومهما اختلفنا معه، فهو قامة شامخة، لا تطاول في مجال الفكر الفلسفي القديم والحديث، وأحسبه الأفضل في تحرير الفلسفة اليونانية، ويكفي أنه كتب عن «أفلاطون» و«أرسطو» أكثر من عشرة كتب. لقد حرصت على الظفر بسيرته مؤملاً حكايتها عن المسكوت عنه، وكشف ما غمض من تحولاته، علماً أنه الفيلسوف «السكوني» الذي توقف عند الوجودية ومستشرقي الخمسينيات الميلادية، ولم يتعمق في الظواهر الجديدة «كالبنيوية» التي أشار إليها بمستوى مثقفي السماع «ص26/2» واصفاً التحولات بالبدع الفكرية، وكنت أود لو أنه كتبها في الخمسينيات من عمره، ليبرز سيرته العلمية بوصفه منتجاً ثر العطاء، قادراً على تعرية التيارات الفلسفية القائمة على أشدها إذ ذاك، ولكنه لم يفعل، ومن ثم جاءت سيرته نفثة مصدور ورفسة ذبيح، فخصومه السياسيون والأكاديميون ذبحوه من الوريد إلى الوريد، مستغلين جنون العظمة عنده، بحيث ألجؤوه إلى الهجرة والانزواء في فندق «لوتيسيا» الشهير في فرنسا، يهيم على وجهه رابعة النهار دون هدى، ثم يأوي إلى غرفته كالخفاش في عتمات الليل دون أنيس، يجتر ماضيه الذي غيّر وجه الفلسفة، ويتحسر على أمجاده التي أضاعتها غطرسته، فلقد كانت أسرته من ذوي الأطيان والسيادة، ولكنه لم يصن هذه الأمجاد، وما نقم من الثورة والثوريين إلا لأنه أحد ضحاياها في عمليات الإصلاح الزراعي، بمراحلها الثلاث. والغريب ان كل أساطين «الإلحاد» عوقبوا بالتشرد والضياع والانطفاء، وعلينا استعراض حيوات «رسل» و«نيتشه» و«سبنسر» و«شوبنهور» و«سارتر» وبدوي فيما لقي من لداته، وفيما هو عليه من علم غزير يشبه «زكي مبارك» الذي مات مخموراً من القهر الذي تعرض له على الرغم من علمه الواسع وثقافته العميقة. والمؤسف ان خصومة الأنداد في مصر عنيفة وقاسية، وغير أخلاقية، حتى لقد ضاع عدد من المفكرين بسبب المكائد التي لا تليق بصفوة الفكر والأدب، وصراع العمالقة في مصر ليس من المعارك الأدبية والفكرية التي تسعى إلى تحرير المسائل، وإنما هي ضغائن ومكائد وتنافس غير شريف، تنتهي بتصفية إحدى الطائفتين، ولقد تولى «طه حسين» كبر هذه المعارك الدنيئة، ولربما أعود إليها متقصياً ضحاياها، وما تركته من سلبيات.
لقد ضاع «عبدالرحمن بدوي» مع من ضاع من رواد الفكر والفلسفة، ولسنا آسفين على ضياعه، لأنه نتاج العمل الاستشراقي في الجامعات المصرية، ولأنه ممن مكَّن للفلسفة الوجودية الملحدة، مدعياً ان لها جذورها العربية، ضارباً المثل «بأبي حيان التوحيدي»، بوصفه رائد الوجودية العربية، وما هو منها بقريب.
وما لقيه من الساسة والفلاسفة جعله يكتب سيرته بقلم يتميز من الغيظ لم يتورع، ولم يعف عن أعراض الأموات، فلقد نال من «جمال عبدالناصر» ومن «محمود فوزي» ومن زعماء مصر قبل الثورة، وبخاصة «سعد زغلول»، ونال من الأزهر وعلمائه، ولم يثن إلا على الأقل «كمصطفى عبدالرازق» ومما قاله عن «عبدالناصر»: - «هكذا كانت وستكون تصرفات جمال عبدالناصر خارجياً وداخلياً تصرفات حمقاء طائشة لا تحسب حساباً لأي شيء غير الدوي الأجوف العقيم حول شخصيته مهما ترتب عليها من خراب وويلات لمصر وشعب مصر ومكانة مصر في المجتمع الدولي «ص238/1» وقال عن «فوزي» ماهو أدهى وأمر، وقال عن علماء الأزهر: - «وشيوخ الأزهر بطبعهم طماعون حاقدون يأكل الحسد قلوبهم.. لا يتورعون عن استخدام أخس الوسائل: من وقيعة ودس ووشاية واختراع الأكاذيب» «ص62» وفي المقابل مجَّد المستشرقين أمثال «أندريه لالاند» وأوغل في النيْل من زملائه ولداته من أمثال «العقاد» «وفؤاد زكريا»، ومن الأقسام العلمية، وبعد الخمسينيات أسقط من حسابه أقسام الفلسفة في البلاد العربية والأوروبية مستخفاً بكل ماهو قائم.
لقد استحر القتل في سيرته، وسالت دماء بريئة وأخرى مدانة، ومع ذلك لم يتوفر على لغة جميلة، ولا على تميُّز فني، ولا على تماسك موضوعي، على الرغم من جودة لغته وأدبيتها فيما كتب في غير السيرة. وتحت عجاجة الهجاء المقذع تحدث عن جوانب كثيرة من حياته العلمية والفكرية والعملية والسياسية، عرض للسياسة في «مصر» وفصل القول عن السياسة والدين في «إيران» وكأنه ألصق حديثه عن «إيران» إلصاقاً، ليختتم به سيرته. والغريب أنه لم يذكر شيئاً عن وجوده الأطول في الكويت، فيما أفاض بالحديث عن وجوده في «ليبيا» و«إيران» مما أثار حفيظة «محمد الرميحي» «الحياة 17/5/1423هـ»، لقد بدا في سيرته متغطرساً مدلاً بعلمه وعمله، وهو حقيق بأن يدل، لولا ان سمة العلماء التواضع، وخفض الجناح، ولكن أنى له هذا، وقد طورد في رزقه وعمله، وحيل بينه وبين أبسط حقوقه، وفي ركاب الهجاء، أشار إلى ظواهر فلسفية وطائفية ومذهبية إشارة عجلى، وأفاض بالحديث عن عمله في «ليبيا» وعن سجنه، وملابسات السجن، وتطورات الأحداث، ومتابعة «أنور السادات» لاخراجه من السجن، ولم يأت من يقول الحق عن أسباب سجنه، ولعل إجابة أخيه «ثروت بدوي» واحدة من تخمينات السبب.
وهو قد كتب عن سيرته الذاتية، وعن مذهبه الفلسفي، حين ترجم لنفسه بوصفه فيلسوفاً وجودياً في «موسوعته الفلسفية» التي تقع في مجلدين كبيرين، وعدَّ نفسه الفيلسوف الوجودي الوحيد في الوطن العربي، «ص294ج1» وجعل مدار فلسفته: «الموت» و«الوجود» وهما موضوع رسالتيه للماجستير والدكتوراه، وقد لخصهما في موسوعته الجزء الأول «ص298 و306» والحديث عن الوجودية والوجوديين في الوطن العربي، وفي مصر بالذات حديث ذو شعب لايمكن استيعاب شفراته في كتاب، فضلاً عن مقال متخفف، لقد عرف عدد كبير من المفكرين ممن لهم اهتماماتهم الوجودية، ودخلت الوجودية في الأقسام الفلسفية في الجامعات المصرية، ونهض الأكاديميون للترجمة والتأليف والدراسة عن ظواهرها: الإيمانية والإلحادية، مثلما ألَّفوا وترجموا عن «الماركسية» ولكنه عمل غير صالح، «فتلك بيوتهم خاوية» وتلك أربابها يقلبون أكفهم على ما أنفقوا فيها «وهي خاوية على عروشها»، ولربما كان الاحتفاء بالوجودية حافزاً «لسارتر» على زيارة مصر والحديث عن قضية فلسطين، وبين التعالق والمفارقة اتهم البعض بالوجودية، «فالعقاد» عدَّ وجودياً، لقوله: إذا كانت الوجودية تعني الحرية والعدل والمساواة فإنني وجودي، على حد: إذا كان حب آل البيت تشيعاً فأنا متشيع، ومثلما أزلقت «الماسونية» طائفة من العلماء في سرابها، فقد فعلت «الوجودية» مثل ذلك، فالحرية والعدل والمساواة مطلب كل حي. وفي مجال التعلق بالفكر الوجودي ترجمت أعمال «جان بول سارتر» الذي نقم عليه «بدوي» وسخر من مقدرته، وإن ترجم أحد كتبه، ومما ترجم «لسارتر»: «الأبواب المقفلة» و«التخيل» و«المادية والثورة» و«تعالي الأنا موجود» و«الكلمات» و«ما الأدب» و«الوجود والعدم» «والوجود مذهب إنساني» وقد راد عبدالرحمن بدوي لهذه الحملة الوجودية، حين جاءت رسالتاه العلميتان عن الوجودية، ولمّا ينج من تعقب بعض المفكرين والراصدين للاتجاه الوجودي أمثال «الجابري» و«عبدالمنعم حنفي» و«فؤاد كامل» حتى لقد حكم عليه بعضهم «بالإلحاد» وماهو منه ببعيد.
و«بدوي» الذي شغله الموت بوصفه مفردة من مفردات الوجودية اخترمته يد المنون أعزل من كل شيء، فلا زوجة، ولا ولد، ولا جاه، ولا مال، ثوي دون أي ضجيج. ولعل أقوى دراساته الأكاديمية وأمكنها في المذهب الوجودي رسالته «مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية» التي حورها بناء على رغبة أستاذه «لالاند» إلى «مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة» لأن «لالاند» يرى أن الوجودية «موضة» وبدعة لا قيمة لها، وتحول الإشراف إلى مستشرق آخر مكَّنه من العودة إلى وجوديته والرسالة لم تطبع بهذا الاسم، ويأتي كتابه «الزمان الوجودي» الأهم، وهو رسالته للدكتوراه، ومؤلفاته وتحقيقاته وترجماته، كلها تدور حول الفلسفة العالمية. منها المبتكرات، والدراسات الغربية، وخلاصات الفكر الأوروبي، والدراسات الإسلامية، والمترجمات. وله مؤلف مطبوع متداول تحت عنوان «الموت والعبقرية» يعد من بواكير مؤلفاته، ولم يشر في قوائم مؤلفاته إلى رسالة الماجستير «مشكلة الموت» فهل غيَّر في العنوان، إذ من المؤكد ان الرسالة كتابه المطبوع «الموت والعبقرية».
و«بدوي» في النهاية فيلسوف وصولي نفعي، قسا في اتهامه، وكشف بخله وحقده أحد تلاميذه الدكتور «فؤاد زكريا» الذي زامله في «جامعة الكويت»، جاء ذلك في لقاء أجري معه، ونشر في كتاب «عبدالرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام» من تأليف الصحفي المقيم في فرنسا الدكتور «سعيد اللاوندي» الذي كانت له علاقات ومغامرات مع بدوي، وقد أشار إلى مواقف بدوي غير المقبولة من المفكر الكبير «عباس محمود العقاد»، ومن المفكر الجزائري «محمد أركون».
وإذا كان بدوي علمانياً وجودياً اتهمه بعض دارسيه «بالإلحاد» فإن له عملين إسلاميين، صدرا قبل وفاته بسنتين، وترجمهما عن الفرنسية «كمال جادالله» أحدهما «دفاع عن محمد ضد المنتقصين من قدره» والآخر «دفاع عن القرآن ضد منتقديه» وقد قصر دفاعه على القضايا العلمية الصرفة، والملفت للنظر ان «فؤاد زكريا» اتهمه في مقاصده نافياً إسلاميته قائلاً: «إنه يضع عينيه على جائزة خدمة الإسلام التي تحمل اسم الملك فيصل، وهذا جزء من حبه للمال، وهو مستعد ان يذبح نفسه في سبيل الحصول على هذه الجائزة» «ص115» من كتاب «اللاوندي»،ذلكم هو عبدالرحمن بدوي الفيلسوف الوجودي الشامخ شموخ الجبال، الذي خرج من مصر وأنفه في السماء، وعاد إليها وأنفه في الرغام.
|