لم يعد خافياً ما كان يُهمس به سابقاً.. ولم يعد جديداً ما كنا نراه المستقبل الموعود.. ولم تعد إلماحات المثقفين أو تصريحاتهم هي الزاد الذي سيعيننا على تجاوز المفازة التي أحرقنا بها كل شيء.. أحلامنا، تطلعات من حولنا.. حتى بتنا نحن الذين نطوي هذه القفار بحثاً عن ذاوتنا.
لو تتبعنا أنساق معضلتنا المستديمة ندرك ان ناقداً مثل الدكتور عبدالله الغذامي لن يكفي لوحده لكي يكشف لنا انساق عيوب «الأنا» المتضخمة في ادبنا، وثقافتنا.. بل ان الامر يحتاج الى حشد من النقاد، وجيش لا يقهر من المنظرين حول هذه الاشكالية التي نقطف ثمار عثرتها، وعيوبها الموجعة فهل لنا من قدرة، وعزيمة تنهض في وجه هذه الاطراقة والجمود لعلنا ننتشل واقعنا بل بعض هويتنا التي احرقتها امراض «الأنا» المؤذية.
فتتبع الانساق، والعودة الى طرح الاسئلة العميقة كفيل بأن ترتب لنا مشروعية التخاطب مع من حولنا في اشكالية التفخيم المؤذي والمقزز للذات الادبية.. بل ان الامر يحتاج الى حوار واضح يضع السؤال في مكانه الصحيح.. لنكون اكثر قرباً من فهم حقيقة ما يدور بيننا من لغط قولي، وهوس كتابي يؤاخي بين الحقيقة والوهم، بل انه يبدل هذه بتلك وفق ما تقتضي الحالة النفسية، والرغبة المادية التي تستبد بالبعض لتجعله متجرداً في تناوله حتى حدود الوقاحة.. لنراه في مقالاته، او تهويماته اللفظية يعتب على كل شيء، ويسخر من اي شيء من اجل ان يخرج برأي نشاز وخارج عن حوار الممكن، وادب المعقول الذي نحن بحاجته هذه الايام.
ولنا أن نشير بإعجاب فاتن إلى هذه الرؤية الفاحصة التي تفتش في كنه هذه الانساق التي سنصل من خلالها الى عمق الحقيقة.. تلك التي ظللنا ولعقود طويلة نحاول جاهدين التهرب من امامها، والتهويم حولها، والعبث بقدراتها، والتقليل من شأنها لنبقي الحال على ماهي عليه رغبة منا في تمجيد كل ماهو «ماضوي» دون محاولة الالتفات إلى أي صوت عقلي يقف من الأمر موقف الفاحص المتأني.. لكن هذه الخطوة نحو تفتيش الماضي.. واعيذكم من كلمة «تفتيش» هي في الاساس خارجة عن مضمار عالمنا ولديها بعض التوجس، وامامها العديد من العثرات لكنها تظل خطوة اولى في الاتجاه الصحيح.
فهذه الطروحات حول انساق شعريتنا العربية مثلاً بحاجة الى مزيد من التأمل، والتحقيق في كنه هذه المنعطفات التي مر بها الادب العربي.. ذلك الناتج الانساني الذي جاءت به الحالة الاجتماعية حتى اصبح معرفاً مع الوقت رمزاً واضح الملامح، وقوي التكوين..
فالتأمل الاستنطاقي هو في الاساس بحاجة فعلية الى فهم اولى مكوناته، وبذوره الازلية التي ارتقى منها في هذا الفضاء المترامي الارجاء حتى عرف الانسان العربي من خلال القصيدة، والقصة، والاثر الذي ولد لنا عدداً من الصور المتماوجة حتى اصبحنا لا نفرق بين ماهو واقعي، او خيالي.. بل اننا خلنا ان هذه الانساق التي تكونها القصيدة «المادحة او الذامة» هي ضرب من النسق المضمون الذي لا يمكن ان نجادل حوله كثيراً.. بل انه اصبح من الانساق المسكوت عنها دائماً لانها ذات بعد تأثيري واضح لكن هذا التأثير، قد لا يكون تنويرياً يخدم الوعي ويحقق المعادل الموضوعي اللازم لقيام هذه المعطيات الثقافية والفكرية..
ولكي لا تكون هذه الانساق المشوهة في سياق المسكوت عنه يجدر بنا قراءة تاريخ الادب والثقافة باعتبارها حالة اولى يمكن لنا ان ننطلق منها الى ماهو اعمق، واهم في بناء عالمنا اليوم والذي لازلنا نصر على انه امتداد لذلك الماضي الذي نراه بعين واحدة، ورؤية موحدة تهذي دائماً انصاف الحقيقة، وتبوح في الاغلب الاعم بما هو عاطفي.
سئمنا اليوم مناداتنا بفحص الانساق نابع من هذا التزايد اللافت لحالة «الأنا» المتضخمة في عالمنا وفي ذوات من حولنا فهل من مخلِّص لنا من هذه الحبائل الغادرة؟! نحن بحاجة الى دراسات مستفيضة تخدم الوعي.. وتصل الى عمق الحقيقة وليكن الأدب شعراً والثقافة فكراً هو الضحية الاولى فمن اجل الوعي لزاماً علينا ان نضحي ببعض تلك الرؤى التي يزعم بعضنا انها من المسلَّمات وهي لا ترقى - نسقياً - لان تكون في هذا الاطار الواضح.
وفي ظل هذا البحث المتواصل عن حلول لأزمة هذه الأنساق يجدر بنا طرح الاسئلة المشروعة حول ماهية هذه الانساق، وأبعادها الإنسانية العميقة.
|