البشر «جوالات» ويكفيك دليلا على ذلك قليل من التمعن في أوجه الشبه بينك وجوالك. فللبشر بطاريات مثلما أن للجوالات بطاريات، ولو لم يكن الأمر كذلك لما «بح» بعد الصراخ المستديم صوت الإنسان، ولما تحول صوته من رخيم إلى أجش أقرب إلى الفحيح منه إلى النطق الصحيح، ولا سيما حين يصاب هذا الإنسان بنزلة برد حادة..، إذن فلا فرق بين الإنسان وجواله سوى ما يتمثل في أن العلم قد استطاع أن يحل مشكلة بطارية الجوال بجعلها قابلة للشحن حين النفاد، في حين لا يبدو في الأفق أن العلم قادر على تصنيع بطارية من شأنها أن تشحن حبال الإنسان الصوتية كلما قطعها خلل زعيقة خوفاً من الحياة وضيقا بها.
وكالجوالات أيضاً فهناك من البشر من يرسل ويستقبل بشكل واضح ومفهوم، ومنهم من يرسل ولا يستقبل أبداً، بل منهم من يقتصر على الاستقبال لوذانا بالصمت. كما أن من البشر من يصيب «التشويش!» فكره «فيشوش!» نطقه تشويش الجوال أو «أشوش» ، بل إن أبلغ صور التشابه هذه تتجلى في أن كليهما عرضة للإصابة بازدواج الشخصية استدلالاً بأن للجوال شخصيتين أو ذاكرتين إحداهما للشريحة والأخرى للجوال. كذلك تتضح معالم التشابه بين الإنسان وجواله في حال كان هذا الإنسان «مربي حمام!» حيث سيحظى في هذه الحالة بأبراج لا تختلف البتة عن أبراج الجوال، ومن ضمن أوجه التشابه أيضاً هو أن الجوال يجول في السماء فوق رأس الإنسان وهذا الإنسان يتجول في الأرض تحت الجوال، وأن للجوال شريحة والإنسان آكل شرائح، بغض النظر عما إذا كانت شرائح لحم حيوان يدب على الأرض كالإنسان أو شريحة طير يحلق بالفضاء تحليق الذبذبات الجوالية.
«وبحفنة!» من جدية لن تطول، فإن «أنسنة» التقنية بمعنى منحها صفات إنسانية تمثل أقصر الطرق وأبلغ الطرائق للحراج عليها وتسويقها. فمزج التقنية بشخصية الإنسان هو مفتاح سر ضعف هذه الشخصية أمام الاستهلاك البذخي، فحين نخلع على الجوالات بعض السمات والصفات البشرية فنحن في الحقيقة نمسح مساحات شاسعة من امكانية تفكير هذا الإنسان في حقيقة انتفاء جدوى ما لديه من التقنية، فضررها يفوق نفعها بكل تأكيد غير أن طريقة تصنيعها لا تمنح الإنسان فضيلة التبصر في حقيقتها، وذلك لأن تصنيع التقنية على هيئة «بشرية» يمنحها وجهاً انسانياً مقبولاً رغم كل قبحها المتمترس خلف مكياج الدعاية والإعلان، وهذا كفيل بزرع بذور الاطمئنان الزائف في كيانات المستهلك لمزيد من الاستهلاك الزائف، وتتجلى أجلى الأمثلة على هذا القول فيما يشيع في أوساطنا من أسماء «سخيفة!» للجوالات، كالرهيب والعنيد والنورس والملاك والشيطان..! «والاسم الأخير هذا من اختراعي الشخصي لهدف سوف يتضح الهدف منه في نهاية هذه الفقرة».. فالرهيب انسان من حيث كون الرهبة بكافة معانيها بشرية، والعنيد بشر أيضاً لكون العناد غريزة بشرية..، أما النورس فصديق قباطنة البحار والمحيطات، والقباطنة «أوادم!»، فضلاً عن أن النورس طير حزين يشاكي الإنسان حزنه الدفين، فهو مثله يصارع أحزان الرحيل ويقاسي آلام هجرات المواسم.. وبما أن «الضد يظهر حسنه الضد!» فالشيطان هو الضد للملاك، ولعمري من ذا الذي سيقتني الشيطان ويدع الملاك.. الشيطاني؟!وعند هذه النقطة نكون قد عبرنا الأجواء الممطرة بالجدية لنعود أدراجنا إلى أجواء «خفة الدم!» أو استخفافه.. فلا فرق.. ولا خيار أيضاً للنقول إن البشر كالجوالات فيما يلبسون: فهناك من البشر من يزهو بالمزركشات من الأردية زهو الجوالات بالإكسسوارات، وهنا يسري على الجوال ما يسري على صاحبه الإنسان من المضامين التي يشي بها المثل القائل: «لابس خلاخل والبلاء من الداخل!»، فالجوالات مثل البشر.. مخابر لا مظاهر.. أما فلنقل ظواهر صوتية فقط.
أخيراً فالجوالات مثل أصحابها تموت بمجرد توقفها عن التنفس، غير أن الفرق الوحيد بينها والإنسان في ذلك هو أن الجولات تتنفس الحرارة وتموت بانقطاعها في حين يتنفس الإنسان الأوكسجين ومع ذلك يموت حين يموت الإنسان رغم أنف وفرة الأوكسجين..!
|