هبت في الآونة الأخيرة رياح السلام على القارة السمراء بتوقيع اتفاقية سلام على أرضها في مطلع العام الجاري، واتفاقيتين في الاسبوع الماضي مما أشاع أجواء من البهجة في نفوس من يتمنون النمو والازدهار لها.
فقد توصلت الحكومة السودانية إلى اتفاق سلام مع جيش تحرير السودان في الاسبوع الماضي لتفتح بذلك الطريق أمام وضع نهاية للصراع الدائر منذ فترة طويلة في أكبر دولة أفريقية.
وفي انجولا انتهت الحرب الأهلية التي جلبت البؤس للملايين من أبناء انجولا على مدى العقود الأربعة الماضية بعد مصرع جوناس سافيمبي زعيم جبهة يونيتا المعارضة بالرصاص في فبراير الماضي.
وكانت جمهورية الكونغو الديموقراطية قد وقعت في الثلاثين من يوليو/تموز اتفاقا مع رواندا «أكبر عدو لها» يمكن ان يؤدى إلى إنهاء أكبر حرب دموية شهدها العالم في السنوات الأربع الماضية.
ومع ذلك لاتزال القارة الأفريقية قارة تسودها الاضطرابات، ففي عام 1999 شهدت أفريقيا سبع حروب عبر الحدود في منطقة جنوب الصحراء وأحد عشر صراعا أهليا.
وعلى سبيل المثال، فقد لقي مليونا شخص مصرعهم في الكونغو الديموقراطية وحدها خلال السنوات الأربع الماضية وفقا لبعض التقديرات.
وعلى الرغم من ان القارة الأفريقية شهدت في العام الماضي ست حروب عبر الحدود وثماني حروب أهلية وواحداً وعشرين ألف قتيل، إلا أن العام الحالي شهد تراجعا في مؤشر الحروب بغض النظر عن استمرار الصراع المحدود في ليبيريا، إلا أن الأمر يتوقف على خمود الحروب الأكبر حجما التي تجري في انجولا والسودان والكونغو الديموقراطية و«إذا » حدث ذلك فإن الفرص المستقبلية للقارة سوف تكون بالتأكيد أفضل من الماضي.
لقد سمح زوال شبح الحرب الأهلية في انجولا بعودة التدفق التجاري عبر الطرق الانجولية وبشكل كبير على الرغم من ان الحكومة لازالت تتسم هناك بالفساد وعدم الكفاءة، في الوقت الذي تتوق فيه آلاف الأسر التي فرقتها الحرب إلى لم الشمل.
طرق السلام وعرة
وفي السودان أصبحت فرص المستقبل فيه أفضل مما كانت عليه في الماضي، بعد ان عرضت الحكومة التي يهيمن عليها المسلمون العرب في الشمال شكلا من أشكال الحكم الذاتي لمنطقة الجنوب السوداني التي يتركز فيها بشكل أساسي الأفارقة السود من المسيحيين والوثنيين.
ووفقا لهذه الصفقة، لا يخضع أبناء الجنوب السوداني للشريعة الإسلامية على ان يتم إجراء استفتاء بشأن استقلال الجنوب في غضون ست سنوات.
ومن جانبهم يقول متمردو جيش تحرير شعب السودان، إنهم يقبلون هذه الصفقة على الرغم من انه لم يتم إيجاد حل للكثير من التفاصيل الهامة التي ليس أقلها مسألة مكان خط الحدود بين الشمال والجنوب حيث ان معظم مناطق البترول تقع في النصف الجنوبي من البلاد، ومن الصعوبة بمكان ان تقبل الحكومة السودانية بضياع هذه الحقول من أيديها.
وفي الاسبوع الماضي زعم جيش تحرير شعب السودان ان القوات الحكومية واصلت شن هجماتها على مواقعه مما أسفر عن مصرع نحو ألف شخص إلا أن ذلك لم يمنع الحكومة السودانية وجيش تحرير شعب السودان من الإصرار على المضي قدما على طريق السلام.
كانت الضغوط الأمريكية القوية وراء توقيع السودان لهذا الاتفاق، حيث إنها تريد تحسين علاقاتها بالعالم الخارجي وشطب اسمها من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، وربما يدفعها ذلك إلى التصرف بشكل أفضل رغم ان المتشككين في النوايا السودانية يرون ان ما تقوم به الحكومة السودانية هو من قبيل التظاهر فقط.
على أية حال فإن إحلال السلام في السودان سوف يكون بمثاية أول خطوة على طريق تحقيق السعادة لسكانها، إلا أنه سيكون عليها قطع طريق طويل من أجل بلوغ هذا الهدف في ضوء عدم إظهار الحكومة وجيش تحرير شعب السودان الميل الكافي للديموقراطية وإقامة حكم لا يقوم على النهب والسلب.
أما في الكونغو، فإن الطريق إلى إحلال السلام يبدو أكثر وعورة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه رواندا أنها سوف تسحب قواتها من شرق الكونغو إذا تم نزع سلاح مرتكبي الإبادة الجماعية المختبئين في الغابات، وهو الأمر الذي وعدت حكومة الكونغو القيام به بمساعدة الأمم المتحدة، إلا أن الحكومة الكونغولية كثيرا ما نقضت وعودها في الماضي.
وفي الوقت نفسه فانه ربما لا ترضى الميلشيات التي نفذت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 بالعودة إلى بلادها خوفا من مواجهة أحكام الإعدام هناك، مع الأخذ في الاعتبار قلة عدد أفراد بعثة الأمم المتحدة في الكونغو وعلاوة على ذلك فان الروانديين لديهم مايغريهم بالبقاء في الكونغو حيث يحققون المزيد من الثراء من وراء نهب الالماس والعاج والكولتان ( مادة معدنية تستخدم في التليفونات المحمولة ).
إن فوضى الحروب في القارة الأفريقية تعود إلى هذا الخليط الفريد من الفقر والثروة الطبيعية الهائلة التي تتمتع بها القارة.
على النقيض من الاعتقاد السائد في الغرب على نطاق واسع، فان القبلية نادرا ما تكون هي السبب وراء اندلاع الحروب في أفريقيا.
إن الرؤساء وزعماء المتمردين يعملون غالبا على إذكاء النزعات العرقية القديمة من أجل حشد التأييد لهم كما هو الحال في السودان والكونغو وانجولا، إلا أن القادة أنفسهم يعنون بالسلطة والمال أكثر مما يعنون بالعرقية.
لعل واحدا من أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك، ما يحدث في ليبيريا، حيث وصل رئيسها الحالي تشارلز تايلور إلى السلطة عن طريق اطلاق صيحة «اقتلوا الكران» وهم أبناء القبيلة التي كانت تسيطر على الحكم في ذلك الوقت وبمجرد وصوله إلى مقعد الحكم راح يسيطر على كل تجارة هامة في البلاد ( خاصة المعادن) وعندما يتعرض التدفق المالي إلى جيوبه للتهديد لا يجد حرجا من اللجوء إلى القتل.
لقد خاضت اثنتا عشرة دولة أفريقية الحروب خلال حقبة التسعينات الماضية من أجل الموارد الطبيعية، وكشفت إحدى الدراسات في هذا الصدد ان احتمالات الحرب في دولة تشكل صادراتها من البترول والمعادن والمنتجات الاخرى نسبة 28% من إجمالي الناتج المحلى بها تزيد بمعدل أربع مرات عن دولة أخرى ليست لديها صادرات أساسية.
إن إنهاء حالة الحرب يقتضي فوز أحد أطراف الصراع كما حدث في انجولا، وبالتالي فإنه مع عدم وجود فائز في الحرب في السودان والكونغو فإن الأمر يدعو للتشاؤم مما ينذر بقصر عمر اتفاقيات السلام بهما.
وبهذا التحليل فانه من المحتمل ان تبقي الحرب على حالة الفقر في أفريقيا لسنوات قادمة.
وقد أشارت تقديرات البنك الدولي إلى ان اندلاع حرب أهلية نمطية من شأنه ان يخفض متوسط الدخل بنسبة 2 ،2% كل عام، تبدو الخطورة الأكبر في ان المستثمرين الأجانب ينظرون إلى القارة الأفريقية على انها كل لا يتجزأ ومن هنا فإن الحروب التي تندلع في جزء منها تخيف عمليات الاستثمار في البلدان التي يسودها السلام.
(الايكونومست) |