من الواضح أن المعركة التي يعيشها العالم هذه السنوات وفي المستقبل هي معركة إعلامية في أساسها.. وتحاول الدول والمؤسسات توظيف الإعلام لخدمة مصالحها الاستراتيجية والتكتيكية.. وأصبح الإعلام لعبة تحلو لهذه الدول والمؤسسات وأحياناً الأفراد لعبها بمختلف أشكاله وألوانه ورسائله.. ومن المؤكد ان منطقة الشرق الأوسط قد حظيت بحصة الأسد في لعبة الإعلام.. وقد شعرت القوى الكبرى المؤثرة في المنطقة ان الإعلام سيكون أداة استراتيجية حيوية ينبغي ان تعمل في هذه المنطقة إلى جانب الدبابة وصواريخ توماهوك وطائرات الأباتشي وال«أف سكستين».
ربما يحتاج تحريك دبابة إلى قرار مجلس وزراء أو لجنة أمن قومي أو قرار وزير الدفاع.. وهذه لها حساباتها المعقدة، ولكن تحريك كتيبة إعلامية لا يحتاج إلى شيء اطلاقاً.. إلا كلمات محددة، وتصريحات داخل غرف مظلمة أو تقارير سرية يتم تسريبها.. وبعد ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد احتجاجاً على مقولة سياسية أو تسريب استخباراتي أو فضيحة اقتصادية.
نعم العالم قد تغير كثيراً.. بعد الحادي عشر من سبتمبر.. فقبل هذا الحدث الكبير كانت الحركة العسكرية والموقف السياسي هو السلاح الذي يمضي في صناعة الحدث، ولكن بعد هذا التاريخ أخذ الإعلام يمتطي دوراً خطيراً في ميدان العلاقات الدولية.. وأصبح هو الأداة التي تحاول القوى توظيفها بأقصى درجات التوظيف العلمي لها في خدمة النوايا الخفية والسياسات الجديدة.. بل أصبح الإعلام هو المربع الأول في سلسلة المربعات التنفيذية لمخططات معقدة وضخمة بحجم مخطط تغيير المنطقة أو العالم.
وتجتاج منطقة الشرق الأوسط اليوم حرب إعلامية لا هوادة فيها، يتم فيها استخدام سلاح الإعلام لتحويل الرأي العام، وتقويض الأنظمة وزعزعة الاستقرار والأمن الاقليمي والقطري، وربما تغيير مجريات التاريخ.. وبمعنى آخر تسعى القوى العظمى ذات النفوذ في المنطقة إلى ارباك هذه المنطقة وخلخلة أوضاعها من أجل رسم صورة جديدة لها وللمنطقة، وزرع أشخاص وربما دول على شكل دمى تتحرك من الخارج لتنفيذ مخططات أجنبية في المصلحة والقرار.
وهذه بعض الأمثلة من الحرب الإعلامية التي تجتاح المنطقة، ولها أطراف ثلاثة أولها أمريكية، وثانيها إسرائيلية، وثالثها عربية/ إسلامية. وقد أدركت الولايات المتحدة ان الإعلام هو الكفيل وحده بتحسين صورتها في المنطقة، ولهذا عمدت إلى تأسيس محطة «سوا» الإذاعية الموجهة لجمهور المنطقة من الشباب العربي والتي تهدف في أساسها إلى اختزال الصراع العربي الإسرائيلي إلى أقل قدر ممكن من المعلومات والأخبار التي لا تتجاوز بحد أقصى أربع دقائق يتم فيها تخدير المستمع العربي بمعلومات مشوشة وكلمات حزبية ليكودية وبقيم أمريكية تتوافق مع الفكر والايديولوجية الجمهورية المتطرفة للبيت الأبيض.
وتأتي المحطة وما سيتلوها من محطات فضائية تلفزيونية قادمة ضمن مسلسل محاولة التأثير في عقول الجماهير العربية والإسلامية.. وهي ربما في إطار تفكير سابق بإنشاء مكتب «التأثير الاستراتيجي» الذي لم يكتب له النجاح لأنه أعلن عن أساليبه الدعائية في عرض الموافق على تأسيسه بوزاره الدفاع الأمريكية.. حيث بارك لنفسه كل الأساليب التضليلية والأكاذيب الإعلامية من أجل خدمة المصالح الأمريكية.. ولكن المشروع قد تم استبداله مؤخراً بمكتب الاتصالات العالمية، والذي يهدف أن يكون غرفة توجيه إعلامي للرسائل الإعلامية الأمريكية الموجهة إلى الخارج وخصوصاً إلى المنطقة العربية والإسلامية.. والذي لم يعلن عنه في وثيقة التأسيس لهذا المكتب الجديد هو إمكانية استخدام لكل الوسائل الممكنة في تضليل الرأي العام العالمي.. كما تم كشفه في تأسيس مكتب التأثير الاستراتيجي.
إسرائيل حاولت كذلك في محطتها الفضائية ان تكرر نفس السيناريو محاولة التودد إلى الجماهير العربية بلغة ليكودية متطرفة ظناً منها أن ذلك سيقرب العرب من التوقيع على مخططاتها التوسعية في المنطقة.. ولكنها تظل تسعى جادة في التأثير على الرأي العام العربي والإسلامي.
إيران أيضاً دشنت «راديو داود» باللغة العبرية موجهاً إلى اليهود داخل إسرائيل، وعلى الرغم من ساعات بثه القصيرة إلا أن محللين إسرائيليين يعتقدون بأن تأثير هذه المحطة الإيرانية هو أقوى من تأثير المحطات العربية الموجهة بالعبرية إلى الجمهور الإسرائيلي.
وأخيراً فإن الطرف الأضعف في الإعلام الموجه هو الطرف العربي، حيث إن الجهد الإعلامي مبعثر، وغير علمي ويتجه إلى العاطفية المتطرفة.. والإعلام العربي ينجح كثيراً في حملاته البينية الموجهة من بلد عربي إلى بلد عربي آخر.. اما ان يكون لدينا إعلام عربي موجه إلى أعداء الأمة وبلغة استراتيجية ناجحة فمازلنا نسير في خطوات أولية وبتخلف شديد أمام ركب التحديات التي تواجه الأمة العربية الإسلامية.
ويظل السؤال المهم الذي نعاود طرحه، هو هل اخفاقنا على الجبهة الإعلامية نتيجة قصور في الوسيلة، أم ضمور في الرسالة؟.. وهذا بلا شك سؤال مهم يحتاج إلى وقفة عميقة ومتأنية، لأننا في العالم العربي نمتلك أكثر من سبعين محطة فضائية تصل إلى كل أصقاع العالم، ونمتلك صحفاً ومجلات تصل إلى معظم مدن وعواصم العالم.. وفوق ذلك يمكن لنا أن نمتلك عشرات جديدة من القنوات وعشرات جديدة من الصحف والمجلات، ولكن سؤالنا المهم ماذا يمكن لنا أن نضخ من رسائل في هذه الوسائل؟.. هذا هو السؤال المهم والملح في هذا السياق الخطير الذي نعيشه اليوم.. وفي ضوء الزخم الشديد من الهجمات التي تصافحنا وتصفعنا ذات اليمين وذات الشمال وفي كل ناحية وموضوع وصوب.. ونحن نظل دائماً كما نحن دائماً.. ننفي.. ونستنكر.. ونشجب.. وإذا كنا قد نجحنا جزئياً في مرحلة من مراحل الصراع الإعلامي فقد يكون نجاحاً جزئياً ومحدوداً في عمليات الدفاع الإعلامي على الصعيد المحلي فقط.. فبينما تكون الوسائل الإعلامية المعادية قد توجهت إلى العقل الآخر، مازلنا نحن نراوح في ايقاظ عقلنا العربي لتبصرته بما يدور حوله من مؤامرات.. في حين ان الآخر بدأ يجني فعلاً جهوده في استثمارات مواقفية وسلوكيات محابية لاتجاهات تلك المؤسسات.. التي كرست الإعلام وسيلة استراتيجية في تفكيرها وسياساتها وخططها وعملياتها.
* رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الاتصال أستاذ الصحافة والإعلام الدولي بجامعة الملك سعود |