نشر الدكتور عبدالعزيز السماري هنا في الجزيرة السبت الماضي مقالاً كان في تقديري غاية في الأهمية وأملي ألا يمر محتواه مرور الكرام مثل كثير من المقالات التي تنتقد بعض ممارساتنا السلبية فلا تجد للأسف إلا التجاهل والإمعان في التطنيش.
المقال كان يتناول بالنقد قراراً قامت باتخاذه وزارة الخدمة المدنية مؤداه حرمان مرضى الإيدز وحاملي فيروس الكبد الوبائي ومرض الزهري في المملكة من العمل الحكومي. من خلال اشتراط أن يمر الملتحق الجديد بالعمل الحكومي بفحص طبي يثبت خلوه من هذه الأمراض.
وقد كان نقد الدكتور السماري لهذا القرار في منتهى الموضوعية لاسيما وهو طبيب متخصص يعرف أن المحاذير الوقائية التي يتذرع بها من أصدروا مثل هذا القرار كانت في الواقع أوهن من بيت العنكبوت كما جاء بمنتهى الوضوح والعلمية في مقاله. هذا فضلاً عن أن ذلك القرار يحمل في طياته وغاياته ومبرراته تناقضاً صارخاً مع حقوق الإنسان المسلم لأن يسترزق ويعيش، لاسيما وأن مثل هذه الأمراض كما هو مثبت علمياً وبشكل قاطع لا تنتقل وبائياً إلا من خلال وسائط محددة ومعروفة ليست بكل تأكيد مقتضيات زمالة العمل شكلاً من أشكالها، الأمر الذي يجعل قراراً كهذا في النهاية هو قرار «عقابي» لحاملي فيروس هذه الأمراض بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
فلا يمكن إطلاقاً اعتبار بواعثه «إحترازية» مهما تفذلك وبرر ولف ودار من قام باتخاذه لتصبح النتيجة الحتمية لهذا القرار الظالم والمتعسف في نهاية المطاف هي خرق فاضح وواضح ومخجل لحق من حقوق فئة من مواطني البلاد لاسيما وأن أغلب المصابين السعوديين بمثل هذه الأمراض كما تقول الإحصاءات لا ذنب لهم البتة في إصابتهم بها، فقد انتقلت هذه الأمراض إليهم في الغالب الأعم من خلال نقل دم ملوث بأحد هذه الأمراض. وبدلاً من الوقوف معهم وتلمس أسباب علاجهم نفسياً واجتماعياً فضلاً عن علاجهم طبيا يأتي هذا القرار ليزيد مصابهم مصاباً ومعاناتهم عذاباً وحرماناً من الحياة الطبيعية!.
ومثل هذه الأمراض ليس وجودها قصراً على المملكة كما هو معروف، فضلاً عن أنها لا تمثل في المملكة - حسب معلوماتي- ظاهرة وبائية كما هو الحال في بعض الدول الأخرى، ومع ذلك لم تقم أي من هذه الدول التي تنتشر فيها هذه الأمراض إلى حد الوباء، ولا منظمة الصحة العالمية مثلاً بإصدار أية تشريعات تمنع حاملي هذه الأمراض من الإنخراط في العمل الجماعي، بحجة حماية المجتمعات من تفشي هذه الأمراض إلا إذا كان لدى من أصدروه علماً لم تطلع عليه بعد منظمة الصحة العالمية التي تضطلع بحماية المجتمعات من مثل هذه الأمراض الوبائية بكل شدة وصرامة.
وليس لدي أدنى شك أن مثل هذه القرارات الظالمة وغير المتحضرة والتي يندي لها الجبين أقدم على اتخاذها أناس خلطوا بين «حقوق الفرد» وبين «حقوق المجتمع» فجاء قرارهم «مسخاً» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وهذه في حد ذاتها قضية في منتهى الخطورة لا سيما وأن هذا القرار يصدر عن جهة تتعامل في شؤون وحقوق أكبر شريحة عمالية في المملكة، الأمر الذي يجعل غياب الوعي والرؤية الحقوقية لدى هذه الجهة مؤشرا يضعنا أمام حقيقة مؤداها أن هناك قصورا ما وبالذات فيما يتعلق بحقوق الأفراد لدى الجهات الحكومية بالشكل والمضمون الذي أفرز ويفرز مثل هذه القرارات.
إنني في هذه العجالة أضع يديَّ في يد الدكتور السماري، وكذلك في يد جميع من انتقدوا هذا القرار الظالم، الذي يتناقض أول ما يتناقض مع بدهيات حقوق الفرد، آملاً أن يجد من كبار المسؤولين آذاناً صاغية لإلغائه والعمل في المستقبل على التقيد بآلية تنظيمية تمنع صدور مثل هذه القرارات المجحفة.
|